ثمَّ كثُرَ المسلمون بالمَدينةِ من المُهاجِرين والأنْصَار، ووَجَد
المُهاجِرون الدَّارَ والمَأْوَى والإخوانَ من الأنصار رضي الله عنهم الَّذين
وَاسُوهم بأنفسِهم وأموالِهم، وعندَ ذلِك أمرَ اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم
بالجِهادِ في سبيلِ الله، وفُرِض القتالُ لمَّا صَار للمُسلِمين شَوْكةٌ وقُوَّة،
وصارَ مع الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم قُوَّةٌ مِن أصحابِه، ورجالٌ صَدَقُوا ما
عاهَدُوا اللهَ عليْه في الجِهَاد، وحَصَلتْ مَعَارِك؛ فِي بَدْر، وفي أُحَد، وفي
الخَنْدَق، وغيرِ ذَلك، وبعَثَ السَّرايَا والبُعوثَ للجِهَاد.
ثمَّ إنَّه في السَّنةِ الثَّامنةِ بعدَ صُلحِ الحُدَيْبِيَة خرَجَ
بأصحابِه صلى الله عليه وسلم يُريدُ فتحَ مكَّة في رَمضَان، ومعَه عشرةُ ألافٍ مِن
جُندِ الإسلام، مُدَجَّجِين بالسِّلاح، ففَتَح اللهُ مكَّةَ على يدِ رسولِه صلى
الله عليه وسلم. وبعدَ فتحِ مكَّةَ دخَل النَّاسُ في دِينِ اللهِ أفواجًا؛ فأنزَلَ
اللهُ تعالى: {إِذَا
جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ
يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ٢} [النصر: 1، 2]، كان المُسلِمون في البِدايةِ أفرادًا
مُسْتَضْعفين، فصاروا يأتوا إلى الرَّسولِ أفواجًا، ويُعلِنُون إسلامَهم
ويُبايعُونَه، فانتَصَر دينُ اللهِ عز وجل: {إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ
وَٱلۡفَتۡحُ} [النصر: 1]، هذا
نصرُ اللهِ والفَتْح: أي فَتْح مكَّة.
وأمَّا قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ
فَتۡحٗا مُّبِينٗا} [الفتح: 1] فهذا صلحِ الحديبية، سمَّاه الله فتحا لمَا ترتب عليه من
المصالح العظيمة، وهو مُقدمة لفتح مكة.
دخل النَّاس في دينِ الله أفواجًا، ثمَّ حجَّ بالنَّاسِ صلى الله عليه وسلم
السنة العاشرةَ ومعَه مائةُ ألفٍ أو يَزِيدُون، فالَّذي خرَجَ ثَاني اثْنَين لمْ يمْضِ
عليه عشرُ سِنين إلا ومعَه مائةُ ألف، حجَّ بالمسلمين ووَادَعَهم صلى الله عليه
وسلم فسُمِّيَت حُجَّةُ الوَدَاع، وأنزَلَ اللهُ عليه وهو وَاقفٌ بعَرفةَ: {ٱلۡيَوۡمَ
أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ
دِينٗاۚ} [المائدة: 3].