×
دروس التفسير في المسجد الحرام الجزء الثالث

ثم إن الله سبحانه وتعالى حَذَّر المؤمنين أن يتخذوا بطانة من هؤلاء المنافقين والكفار، فقال سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ [آل عمران: 118]. هذا نداء من الله جل وعلا لعباده المؤمنين؛ لأنهم هم الذين يمتثلون نداء الله ويمتثلون أوامر الله جل وعلا. {لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ [آل عمران: 118] أي: مُقَرَّبين منكم من غير المؤمنين. والبطانة هي خاصة الإنسان التي حوله. كل إنسان يحتاج إلى الأصدقاء، يحتاج إلى المستشارين، يحتاج إلى الناصحين، لاسيما إذا كان هذا الإنسان له شأن إما ولاية وإما مال وإما أمر من الأمور المهمة، فهو لا يستطيع أن يستقل بنفسه في تدبير شئونه وشئون مَن تحت يده، لا يستطيع ذلك بمفرده، فهو بحاجة إلى البطانة، وهي الخاصة التي تكون معه تُعِينه بالرأي وبالمشورة وبتنفيذ الأعمال نيابة عنه، من الوزراء والمستشارين.

كل إنسان - لاسيما ولاة الأمور - بحاجة إلى البطانة، وهم لا يلامون إذا اتخذوا البطانة، لكن أَمَرهم الله أن يختاروا البطانة الصالحة الناصحة التي تُعِينهم على الخير وتذكِّرهم وتنصح لهم.

فالبطانة عليها مدار عظيم، بطانة الإنسان لا سيما ولي الأمر، فليتخذ بطانة صالحة ناصحة من المؤمنين، لا تكون بطانته من المنافقين والكفار؛ لأنهم لا ينصحون له، مهما تظاهروا وتملَّقوا فإنهم عدو، وكيف تتخذ العدو بطانة لك؟! هو لا يريد لك الخير، هو يدبر لك الشر ويَحيك لك الدسائس، وإن أظهر لك التملق وأظهر لك النصح إلا أنه بصفته من غير المؤمنين فهو غاشٌّ، مهما كان فلا تأمنه أبدًا.

وهذا فيه النهي عن اتخاذ البطانة السيئة من الكفار والمنافقين الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، وهم أشد من الكفار الأصليين،


الشرح