قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ [آل عمران: 155]، لما التحم القتال وكثر القتل في
المسلمين، فر بعض المسلمين من شدة الهول، لا من ضعف إيمانهم لكن من شدة الهول
والذهول، ذَهَلوا ففروا، قال تعالى: {إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ
يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ﴾
[آل عمران: 153].
والله
جل وعلا أراد أن يطمئن هؤلاء لئلا يحزنوا على ما حصل منهم؛ لأنهم مؤمنون، ليسوا
منافقين، والسبب: {إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ [آل عمران: 155] استزلهم الشيطان في هذه الشدة؛ لأن
الشيطان ينتهز مثل هذه الأمور. أي: أوقعهم في الزلة، وهي الفرار والتولي.
{بِبَعۡضِ مَا
كَسَبُواْۖ﴾ [آل عمران: 155] ما حصل من
الرماة، حينما نزلوا من الجبل؛ هذا بما كسبوا من المخالفة، وهذا سبب الهزيمة.
ثم
إن الله سبحانه طمأنهم فقال: {وَلَقَدۡ عَفَا
ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ﴾ [آل
عمران: 155]، طمأنهم أن الله عفا عما حصل منهم؛ لأنهم مؤمنون، وهذه زلة حصلت،
والله غفور رحيم.
ثم قال سبحانه وتعالى مُحَذِّرًا المؤمنين من صفات المنافقين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: 156] يعني: المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر - والعياذ بالله - فهم كفار، ستروا كفرهم بإظهار الإسلام. فهذا فيه: التحذير من التشبه بالمنافقين، الذين هم مؤمنون في الظاهر، كفار في الباطن، فقال: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ﴾ [آل عمران: 156]، أي: إخوان المنافقين في الكفر. وقيل: إخوانهم في النسب، الذين هم مؤمنون حقيقة، لكنهم إخوان للمنافقين في النسب لا في الدين.