×
دروس التفسير في المسجد الحرام الجزء الثالث

 قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ [آل عمران: 155]، لما التحم القتال وكثر القتل في المسلمين، فر بعض المسلمين من شدة الهول، لا من ضعف إيمانهم لكن من شدة الهول والذهول، ذَهَلوا ففروا، قال تعالى: {إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ [آل عمران: 153].

والله جل وعلا أراد أن يطمئن هؤلاء لئلا يحزنوا على ما حصل منهم؛ لأنهم مؤمنون، ليسوا منافقين، والسبب: {إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ [آل عمران: 155] استزلهم الشيطان في هذه الشدة؛ لأن الشيطان ينتهز مثل هذه الأمور. أي: أوقعهم في الزلة، وهي الفرار والتولي.

{بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ [آل عمران: 155] ما حصل من الرماة، حينما نزلوا من الجبل؛ هذا بما كسبوا من المخالفة، وهذا سبب الهزيمة.

ثم إن الله سبحانه طمأنهم فقال: {وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ [آل عمران: 155]، طمأنهم أن الله عفا عما حصل منهم؛ لأنهم مؤمنون، وهذه زلة حصلت، والله غفور رحيم.

ثم قال سبحانه وتعالى مُحَذِّرًا المؤمنين من صفات المنافقين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ [آل عمران: 156] يعني: المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر - والعياذ بالله - فهم كفار، ستروا كفرهم بإظهار الإسلام. فهذا فيه: التحذير من التشبه بالمنافقين، الذين هم مؤمنون في الظاهر، كفار في الباطن، فقال: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ [آل عمران: 156]، أي: إخوان المنافقين في الكفر. وقيل: إخوانهم في النسب، الذين هم مؤمنون حقيقة، لكنهم إخوان للمنافقين في النسب لا في الدين.


الشرح