×
دروس التفسير في المسجد الحرام الجزء الثالث

{إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ [آل عمران: 156] أي: سافروا لتجارة أو غيرها.

{أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى [آل عمران: 156] جمع غازٍ، يعني: غَزَوا في سبيل الله.

قالوا لهم: {لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ [آل عمران: 156] لو ما سافروا ولا غَزَوا ما قُتِلوا!! يظنون أن بقاءهم في بلدهم وفي بيوتهم وبينهم - أن هذا ينقذهم من القضاء والقدر.

هكذا يقول المنافقون؛ لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر، ولا يؤمنون أن مَن كُتِب عليه الموت أو القتل سيخرج إلى المكان الذي قَدَّر الله أنه يموت أو يُقْتَل فيه. فبقاؤك في البلد، أو في بيتك وبين جيرانك؛ لا ينقذك من القضاء والقدر، سواء بَقِيت أو خرجت.

ثم بَيَّن الله الحكمة في أنهم يقولون هذا الشيء، فقال: {لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ [آل عمران: 156]؛ لأن «لو» تفتح عمل الشيطان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ - أو: قَدَّرَ اللَّهُ - وَمَا شَاءَ فَعَلَ» ([1]).

إذا أصابك شيء - مع بذل السبب والاحتياطات - فاعلم أنه قضاء وقدر، لا ينجي منه شيء.

{لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ [آل عمران: 156] القول {حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ [آل عمران: 156]؛ لأن الذي يؤمن بالقضاء والقدر لا يتحسَّر أبدًا إذا أصابه شيء؛ لأنه يعلم أن هذا قضاء وقدر من الله سبحانه وتعالى. أما المنافق، فإنه يتحسَّر لأنه لا يؤمن بالقضاء والقدر.


الشرح

([1])  أخرجه: مسلم رقم (2664).