ثم
قال جل وعلا: {إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡٔٗاۗ﴾ [آل عمران: 176]، إنهم في كفرهم لن يضروا الله شيئًا؛
لأن الله غني عنهم، {إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا
فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
[إبراهيم: 8].
فالله
جل وعلا لا يضره كفر الكافر، ولا تنفعه طاعة المطيع. وإنما هذا يرجع إليهم، فالمطيع
اختار لنفسه النجاة والسعادة. والكافر اختار لنفسه الشقاوة والعذاب. فهم ضروا
أنفسهم، وما ضروا الله سبحانه وتعالى شيئًا.
ولهذا
في الحديث القدسي أن الله جل وعلا يقول: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ
تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي» ([1])،
{إِن
تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرََۖ﴾ [الزمر: 7]، فمُلكه تامٌّ، لا ينقصه كفران الكافر، ولا
تَزيده طاعة المطيع.
{يُرِيدُ ٱللَّهُ
أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ﴾
[آل عمران: 176] يعني: في الجنة.
{يُرِيدُ ٱللَّه﴾ ذلك إرادة كونية، لما أعرضوا وكفروا، فالله يريد لهم
الشقاوة جزاءً لهم.
{وَلَهُمۡ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل
عمران: 176]، بدلاً من أن يكون لهم حظ في الآخرة، لهم عذاب عظيم بسبب فعلهم.
{إِنَّ ٱلَّذِينَ
ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾
[آل عمران: 177]، {ٱشۡتَرَوُاْ﴾أي:
استبدلوا. استبدلوا الكفر بالإيمان، باعوا الإيمان بالكفر، واعتاضوا عن الإيمان
بالكفر.
{لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡٔٗاۖ﴾ [آل عمران: 177]، مثل الآية التي قبلها،{لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡٔٗاۖ﴾ فهم إذا استبدلوا الكفر، وآثروه، واختاروه لأنفسهم، وتركوا الإيمان؛ فإنما يضرون أنفسهم.
([1]) أخرجه: مسلم رقم (2577).