كَمَا تَزْعُمون أَنَّهُ لَمْ يُنْكره عَلَيْكم،
بَلْ قَدْ أنْكَره علَيْكم أَشدَّ الإنْكَار ونَهَاكم عَنْه آكَدَ النَّهْي،
وبَعَث ﴿فِي كُلِّ
أُمَّةٖ﴾ [النحل: 36]، أَيْ: فِي
كُلِّ قَرْنٍ طَائفَة منَ النَّاس ﴿رَّسُولًا﴾
[النحل: 36]، وكُلُّهم يَدْعون إِلَى عِبَادَة الله، ويَنْهَون عن عِبَادَة ما
سِوَاه ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ
ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾
[النحل: 36].
فلَمْ
يَزَل تَعَالَى يُرْسل إِلَى النَّاس الرُّسُل فِي ذَلِكَ منذُ حَدَث الشِّرْك فِي
بَني آدَمَ، فِي قَوْم نوحٍ الَّذِينَ أُرْسلَ إلَيْهم نوحٌ، وَكَانَ أَوَّل
رَسُولٍ بَعَثه اللهُ إِلَى أَهْل الأَرْض إِلَى أَنْ خَتَمَهم بمُحمَّدٍ صلى الله
عليه وسلم الَّذِي طَبَقت دعوتُهُ فِي الإِنْس والجِنِّ، فِي المَشَارق والمَغَارب،
وكُلُّهم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا
نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَۡٔلۡ مَنۡ
أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ
ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ﴾
[الزخرف: 45]، قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَة الكَريمَة: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا
فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36].
فكَيْف
يَسُوغ لأَحَدٍ من المُشْركينَ بَعْد هَذَا أن يَقُول: ﴿لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ﴾ [النحل: 35] ؟! فَمَشيئتُهُ تَعَالَى الشَّرعيَّة عنهم
مُنْتفيةٌ؛ لأَنَّهُ نَهَاهم عن ذَلِكَ عَلَى أَلْسنَة رُسُله، وأَمَّا مَشيئتُهُ
الكَونيَّة: وَهِيَ تَمْكينُهُم من ذَلِكَ قدرًا فَلاَ حُجَّة لهُمْ فيها...
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ أخبَرَ أَنَّهُ أنْكَر عَلَيْهم بالعُقُوبة
بَعْد إنْذَار الرُّسُل. انتهى.
فهُمْ لَمْ يُريدُوا بهَذَا الكَلاَم الاعْتذَار عن ارْتكَاب القَبيح؛ لأَنَّهُمْ لا يَعْتَقدون قُبْح أفْعَالهم، بَلْ هُمْ ﴿يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾ [الكهف: 104]، وهُمْ إنَّما يَعْبدون الأصْنَام، ويَقُولُون: ﴿لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾ [الزمر: 3]،