الْغَيْبِيَّة الَّتِي
تُشَارِك مَا يُشَاهِد فِي الدُّنْيَا فِي أَصْل الْمَعْنَى لا تَكُون مُمَاثَلَة
لَه فِي الْحَقِيقَة. فَيَنْبَغِي لِلإِْنْسَان أن يَنْتَبِه لِهَذِه الْقَاعِدَة،
وَأَن يَأْخُذ أُمُور الْغَيْب بِالتَّسْلِيم، وما يَقْتَضِيه ظَاهِرِهَا مَن
الْمَعْنَى، وَأَن لا يُحَاوِل شيئًا وَرَاء ذَلِك.
وَلَما سُئِل الإمام
مَالِك رحمه الله عَن قَوْل الله تَعَالَى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ
عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾ [طه: 5 ] كَيْف اسْتَوَى؟
أَطْرَق رحمه الله
بِرَأْسِه حَتَّى عَلاَه الرُّحَضَاء أَي الْعَرَق، وصار يتصبَّبُ عرقًا؛ وَذَلِك
لِعِظَم السُّؤَال فِي نَفْسَه، ثُمّ رَفَع رَأْسِه وَقَال قَوْلَتَه الشَّهِيرَة
الَّتِي كَانَت ميزانًا لِجَمِيع مَا وَصَفّ الله بِه نَفْسَه، قَال رحمه الله :
الاِسْتِوَاء غَيْر مَجْهُول، وَالْكَيْف غَيْر مَعْقُول، وَالإِْيمَان بِه
وَاجِب، وَالسُّؤَال عَنْه بِدْعَة.
فَالسُّؤَال
المتعمِّق فِي مِثْل هَذِه الأُْمُور بِدْعَة؛ لأنَّ الصَّحَابَة - رِضْوَان الله
عَلَيْهِم - وَهْم أَشَدّ النَّاس حرصًا عَلَى الْعِلْم وَعَلَى الْخَيْر لَم
يَسْأَلُوا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مِثْل هَذِه الأَْسْئِلَة وكفى بِهِم
قُدْوَة.
وما قِلَّتِه الآْن
بِالنِّسْبَة لِلْيَوْم الآَخَر يَجْرِي بِالنِّسْبَة لِصِفَات الله عز وجل
الَّتِي وَصَفّ بِهَا نَفْسَه مَن الْعِلْم، وَالْقُدْرَة، وَالسَّمْع،
وَالْبَصَر، وَالْكَلاَم، وَغَيْر ذَلِك فَإِن مسميَّات هَذِه الأَْلْفَاظ
بِالنِّسْبَة إِلَى الله عز وجل لا يُمَاثِلُهَا شَيْء مِمَّا يُشَارِكُهَا فِي
هَذَا الاِسْم بِالنِّسْبَة لِلإِْنْسَان. فَكُلّ صِفَة تَابِعَة لِمَوْصُوفِهَا،
فَكَمَا أن الله لا مَثِيل لَه فِي ذَاتَه فَلا مَثِيل لَه فِي صِفَاتِه.
وَخُلاَصَة الْجَوَاب: أن الْيَوْم الآَخَر يَوْم وَاحِد، وَأَنَّه عَسِير عَلَى الْكَافِرِين، وَيَسِير عَلَى الْمُؤْمِنِين، وَأَن مَا وَرَد فِيْه مَن أَنْوَاع الثَّوَاب وَالْعِقَاب أَمْر لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَإِنّ أَصْل الْمَعْنَى فِيْه معلومًا لَنَا فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا.