حتى إذا رآه المشركون ظنوا
أنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وجلسوا على بابه يترصدون خروجه، ثم خرج صلى الله
عليه وسلم من بينهم ولا يشعرون به، وذر التراب على رؤوسهم وهم لا يشعرون، ومر على
أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأنه كان قد واعده الخروج معه، فخرج الرجلان وذهبا
إلى غار ثور جنوب مكة واختفيا فيه، والمشركون لما عرفوا أنهم باتوا يرصدون عليا
وأن الرسول خرج من بينهم، أصابهم الندم والهم والأسى على انفلات الرسول صلى الله
عليه وسلم من بينهم، وجعلوا يطلبونه من كل فج، وأرسلوا الرسل والعيون وبذلوا
الفدية الطائلة لمن جاء بالرسول حيًّا أو ميتًا، حتى جاؤوا هم إلى الغار الذي فيها
الرسول صاحبه فوقفوا على الغار، فالله جل وعلا طمس أبصارهم، عن أن يروا الرسول صلى
الله عليه وسلم وصاحبه، فلم يروه، ورجعوا خائبين.
وبقي النبي صلى الله
عليه وسلم وصاحبه في الغار أياما، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن
أبيها تأتيهم ومعها غنم ويشربون من لبنها، وتأتيهم بشيء من الطعام خفية، كأنها
ترعى الغنم فقط، ثم إن النبي استأجر أجيرا من المشركين يدله على الطريق إلى
المدينة، وهو عبد الله بن أريقط الليثي، فخرج صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه مع
الدليل على راحلتين وذهبوا إلى المدينة، في طريقه لحق به من المشركين سراقة بن
مالك الجعشمي فلما أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليه وساخت أقدام فرسه
بالأرض فلم تستطع السير فنزل عنها وقال يا محمد أخرج لي فرسي وأعاهدك ألا أخبر
عنك، فالرسول صلى الله عليه وسلم قبل منه ذلك وعاهده على أن يتر كه وأن لا يخبر
عنه، وقال له: «كيف بك يا سراقة إذا لبست
سواري كسرى»، فأسلم سراقة بعد ذلك.