وكَرِه
مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛
لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال: «ولن يُصْلِح آخر هذه الأمة إلاَّ ما أصلح
أولها».
وكان
الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يأتون إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيصلون،
فإذا قَضَوا الصلاة قعدوا وخرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام؛ لعلمهم أن
الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد هو السُّنة. وأما دخولهم عند قبره للصلاة
والسلام عليه هناك، أو للصلاة والدعاء، فلم يشرعه لهم بل نهاهم عنه في قوله: «لاَ
تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلِيَّ؛ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي»
([1])، فبَيَّن أن
الصلاة تَصِل إليه مِن بُعد، وكذلك السلام، ولَعَن مَن اتخذ قبور الأنبياء مساجد.
وكانت الحجرة في زمانهم يُدخل إليها من الباب لما كانت عائشة رضي الله عنها فيها وبعد ذلك، إلى أن بُني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلام ولا لصلاة ولا لدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يُسمعهم كلامًا أو سلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبَيَّن لهم الأحاديث، وأنه قد رد عليهم السلام بصوت يُسمع من خارج. كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويُحدثهم في الظاهر، وأنه يَخرج من القبر ويرونه
([1]) أخرجه: أبو داود رقم (2042)، وأحمد رقم (8804)، وأبو يعلى رقم (469)، والطبراني في +الأوسط؛ رقم (8030).