وَلَكن المُقْتَضى لاَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ إلاَّ بِاسْتِجْمَاعِ
شُرُوطِهِ، وَانْتفَاء مَوَانعِهِ، فَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ لفَوَات
شَرْطٍ منْ شُرُوطِهِ، أَوْ لوُجُود مَانِعٍ، وَهَذَا قَوْلُ الحَسَن، وَوَهْب بْن
مُنبِّه، وَهُوَ الأَظْهَرُ، ثُمَّ ذَكَرَ عَن الحَسَن البَصَريِّ أَنَّهُ قَالَ
للْفَرَزْدَق وَهُوَ يَدْفنُ امْرَأَتَهُ: مَا أَعْدَدْتَ لهَذَا اليَوْم؟ قَالَ:
شَهَادَةُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّه، مُنْذُ سَبْعينَ سَنَةً. قَالَ الحَسَنُ:
نِعْمَ العُدَّة، لَكن لِـ «لاَ إلَهَ
إلاَّ اللَّهُ» شُرُوطٌ، فَإيَّاكَ وَقَذْفَ المُحْصَنَات.
وَقَالَ
للْحَسَن: إنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: «مَنْ
قَالَ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّة»، فَقَالَ: مَنْ قَالَ: «لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ»، فَأَدَّى
حَقَّهَا، وَفَرْضَهَا، دَخَلَ الجَنَّة. وَقَالَ وَهْبُ بْن مُنبِّه لمَنْ
سَأَلَهُ: أَلَيْسَ «لاَ إلَهَ إلاَّ
اللَّهُ» مفْتَاحَ الجَنَّة؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ مَا مِنْ مِفْتَاحٍ إلاَّ
لَهُ أَسْنَانٌ، فَإنْ جئْتَ بمفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ، فُتِحَ لَكَ، وَإلاَّ لَمْ
يُفْتَحْ لَكَ!
وَأَظُنُّ
أَنَّ فِي هَذَا القَدْرِ الَّذي نَقَلَهُ مِنْ كَلاَم أَهْل العِلْمِ كفَايَةً
فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبْهَة الَّتي تَعَلَّق بهَا مَنْ ظَنَّ أَنَّ مَنْ قَالَ:
لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، لاَ يَكْفُرُ، وَلَوْ فَعَلَ مِنْ أَنْوَاع الشِّرْك
الأَكْبَر الَّتي تُمَارسُ اليَوْمَ عِنْدَ الأَضْرحَة، وَقُبُور الصَّالحينَ
ممَّا يُنَاقضُ كَلمَة لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ تَمَامَ المُنَاقضَة،
وَيُضَادُّهَا تَمَامَ المُضَادَّة، وَهَذِهِ طَريقَةُ أَهْل الزَّيْغ الَّذينَ
يَأْخُذُونَ مَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُمْ مِنَ النُّصُوص المُجْمَلَة،
وَيَتْرُكُونَ مَا تُبَيِّنُهُ وَتُوَضِّحُهُ النُّصُوصُ المُفَصَّلَةُ، كَحَال
الَّذينَ يُؤْمنُونَ ببَعْض الكتَاب، وَيَكْفُرُونَ ببَعْضٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ
فِي هَذَا النَّوْع منَ النَّاس: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ
مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ
وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ
فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧رَبَّنَا لَا تُزِغۡ