وَكَمَا قال اللهُ سبحانه وتعالى: ﴿وَمَآ
ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7] وَقَالَ تَعالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ
بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ
عَلِيمٞ﴾ [الحجرات: 1] إذًا
المُبْتَدِع هو الَّذي أَحْدَثَ في دِينِ الله مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ بحيث يَأْتِي
بِدِينٍ لَمْ يَدُلَّ علَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ القُرْآَنِ أو السُّنَّة، وليس
المُبْتَدِع كُلَّ مَنْ خَالَفَ أو أَخْطَأَ في الاجتهاد؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ إذا
أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ علَى
اجْتِهَادِهِ.
والمَقْصُودُ
بالمجتهدين: هم مَنْ تَأَهَّلُوا للاجتهاد، وَتَوَفَّرَتْ
فِيهِمْ شُرُوطُهُ المَعرُوفَةُ، وكذلك إذا أخطأ المخطئ عن تأويله؛ لأنَّ
التَّأويل شُبْهَةٌ تَدْرَأُ عنْهُ الحكم بأنَّه مُبْتَدِع، ولأنَّه ظَنَّ أَنَّ
تَأْوِيلَهُ سَائِغٌ، أَوْ قَلَّدَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ علَى حَقٍّ.
فَهَذَا
يُقَالُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ أَخْطَأَ أَوْ خَالَفَ، وَلا يُقَالُ: إِنَّهُ
مُبْتَدِع.
دَلِيلُ
ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كانوا يَجْتَهِدُونَ وَيَخْتَلِفُونَ
فيما بَيْنَهُمْ فِي بعض المسائل، ولم يُبَدِّع بَعضُهُمْ بَعضًا، ولم يَهْجُرْ
بَعضُهُمْ بَعضًا، بل كانوا إِخْوَةً مُتَحَابِّينَ مُتَنَاصِرِينَ؛ لأنَّهم
أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، مَع أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعضِ الأمور والاجتهادات
الَّتي سَمَحَ الشَّرْع بالاجتهاد فيها.
·
معرفة قدر
العلماء ومكانتهم:
فالعلماء
لهم مكانتهم وَقَدْرُهُم، ولذلك فَإِنَّ ظَاهِرَةَ التَّبديع إنَّما جَاءَتْ علَى
لِسَانِ بَعضِ الجُهَّالِ أو المُبْتَدِئِينَ في طلب العلم؛ لأنَّهم يَعتَبِرُونَ
المُتَأَوِّلَ والمُقَلِّدَ مُبْتَدِعا.
بَلْ أَظْهَرُوا هذه المَقَالَةَ، وَصَارَ بَعضُهُم يُبَدِّع بَعضًا، فَتَعادَوْا، وَتَقَاطَعوا، وَتَدَابَرُوا، وَلَمْ يَقْتَصِرِ الأَمْرُ علَى ذلك فيما بَيْنَهُم، بَلْ تَنَاوَلَ العلَمَاءَ السَّابقين.