قد بُعث في العرب، فهو
مبعوث إلى الجن والإنس، فرسالته عامة عليه الصلاة والسلام، ولكنه بدأ بإنذار
العرب، وهذا من التدرج في الإبلاغ، والتدرج في تبليغ الرسالة فهو يبلغ العرب،
ويبلغ غيرهم، ولهذا كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك: إلى كسرى، وإلى
قيصر يدعوهم إلى الإسلام، لأنه رسول إليهم، ﴿مَّآ
أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ﴾ [يس: 6]، لا منافاة بين هذا وبين ما ذكره السائل، أن
الله قد بعث في كل أمة رسولاً؛ لأن العرب لم يأتهم بعد إسماعيل رسول منهم إلى أن
جاء محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان بلغتهم دعوة إبراهيم عليه السلام لكن لم
يبعث منهم رسول إلاَّ محمد صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿لِتُنذِرَ
قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ
عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧﴾ [يس: 6، 7]؛ أي:
وجب العذاب عليهم بكفرهم وعنادهم لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم استجابتهم
الدعوته؛ فلذلك حقت عليهم كلمة العذاب، فهم لا يؤمنون.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ
أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ
أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ
٩وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠إِنَّمَا
تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ
وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١﴾ [يس: 8-11]، وهذه الآيات كليها، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ﴾ [يس: 11] في حق
المعاندين، الذين عرفوا الحق وبلغتهم، الرسالة فاستكبروا، وعاندوا، واستمروا على
عبادى الأصنام، وعلى دين الأجداد، فجحدوا الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه
وسلم، فإن الله جل وعلا ختم على قلوبهم، عقوبة لهم وحق عليهم العذاب، فلا مناص لهم
من ذلك، وعميت بصائرهم، ومثلهم مثل الذي غُلَّتْ يداه إلى عنقه، وارتفع رأسه،
ونظره؛ فصار