×
شرح كتاب الفتن والحوداث

فَلَمَّا انْتَهَى، قَام، وَخرَجَ، قَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: «اُطْلُبُوا!» خَرَجُوا يَلْتَمِسُونَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا أحدًا، وهذه الْغَرِيبَة الْعَجِيبَة - أيضًا - فِي هَذَا الرَّجُل، خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ، أَيْنَ ذَهَبَ؟ لَمْ يَجِدُوا أحدًا.

قَالَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُمْ» ([1])؛ جِبْرِيلُ عليه السلام. وَالْمَلاَئِكَة تتَصَوَّر بِصوَرِ الآْدَمِيِّين، لاَ تَأْتِي بِصُوَرِهَا الْحَقِيقِيَّةِ؛ لأَنَّهُ لاَ يطِيقُ الْبَشَرُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، لَوْ جَاءَ مَلَكٌ فِي صُورَتِهِ الْحَقِيقِيةِ، يَرتَعِبُ الْبَشَرُ، لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، فَيَأْتِي بِصُورَةِ رَجُلٍ، لاَ يَسْتِغْرِبُهُ النَّاسُ، يُكَلِّمُهُمْ ويكلِّمُونَه: ﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا [الأنعام: 9]، لاَ يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ أنْ يُخَاطِبُوا الْمَلاَئِكَة، ولاَ أنْ يَجْلِسُوا مَعَهُمْ، حَتَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ عليه السلام إلاَّ مَرَّتَيْنِ عَلَى خِلْقَتِهِ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ:

المَرَّةُ الأُولَى: فِي بَطْحَاءِ مَكَّة، لَمَّا اشْتَدَّ الأَمْرُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ لاَ يَدْرِي أَيْنَ يَتَّجِهُ، سَمِعَ صَوتًا مِنْ فَوْق، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا جِبْرِيل عليه السلام قَدْ سَدَّ الأُْفُقَ، مَلَأَ الأُْفُقَ بِأَجْنِحَتِهِ وَخِلْقَتِهِ، فَخَاطَبَهُ، وَقَال: يَا مُحَمَّد! هَذَا مَلَكُ الْجِبَالِ - يَعْنِي: مَعَهُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْجِبَالِ -؛ يَسْتَأْذِنُك أن يُطْبِقَ عَلَيْهِم الأَْخْشَبَيْنِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ - الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ الْمُحِيطَيْنِ بِمَكَّةَ -. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لاَ، بَلْ اسْتَأن بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللَّه أن يُخْرِج مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ» ([2])، هَذَا حلْم الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، هَذِهِ مَرَّة.


([1])  أخرجه: مسلم رقم (8).

([2])  أخرجه: البخاري رقم (3231)، ومسلم رقم (1795).