وعن حُذَيْفَةَ
رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ،
رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأَمَانَةَ
نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ
عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: «يَنَامُ
الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ
أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ
فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ،
فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ
يَتَبَايَعُونَ، فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَال: إِنَّ
فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا
أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ
إِيمَانٍ» وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ،
لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا
لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِع
مِنْكُمْ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا. أَخْرَجَاهُ ([1]).
****
هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ حُذَيْفَة بن
الْيَمَانِ رضي الله عنه، وكان حريصًا عَلَى أن يَسْأَل الرَّسُول صلى الله عليه
وسلم عَن الفِتْنَةِ؛ مَخَافَةَ أن تُدْرِكَهُ؛ لِيَأْخُذَ حِذْرَهُ مِنْهَا.
فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أنَّ الأَْمَانَةَ نَزَلَتْ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَكُونُ أمينًا، وَالإِْيمَانُ مِن الائْتِمَانِ، وَهْوَ الأَْمْنُ، الْمُؤْمِنُ يَكُون أمينًا بِمُوجِبِ إيمَانِهِ، وَتَكُون الأَْمَانَةُ فِي قَلَبَهِ مَعَ الإِْيمَانِ. ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَأَكَّدَ هَذَا الأَمْرَ، أَكَّدَ الأَْمَانَةَ، وثبَّتَها، وَرَسَّخَها فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ الإِْنْسَانُ لاَ يَخَافُ مِن الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَهُمْ فِي ذَاكَ الْوَقْتِ؛ لأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ، لاَ يَغشُّونَ، ولا يَخْدَعُونَ.