هَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم
يَمْشُونَ مَعَ الأَْمَانَةِ فِي تَعَامُلِهِمْ، وفي أُمُورِهِمْ؛ لأَنَّ الإِْيمَانَ
عَوَّدَهمْ ذَلِكَ، وَالأَْمَانَةَ ترَسَّخَت فِي قُلُوبهمْ.
ثُمَّ
إنَّهُ يَتَغَيَّرُ الْوَضْعُ عَلَى طَوْلِ الزَّمَانِ؛ فَتُرْفَعُ الأَْمَانَةُ
مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ، وَيَبْقَى أَثَرُهَا بَعْد نَزْعِهَا فِي الْقَلْبِ
مِثْلِ الْجَمْرَة، الَّتِي تَدَحْرَجَتْ عَلَى الرِّجْلِ، فنَفِطَت - يَعْنِي:
انْتَفَخَ مَكَانُهَا، وَتَعَبَّأَ بِالْمَاءِ -، ثُمَّ يَزُولُ هَذَا.
كَذَلِكَ
الأَْمَانَة تَزُولُ أوَّلاً، ثُمَّ يَزُولُ أَثَرُهَا، ثُمَّ لاَ يَبْقَى فِي
النَّاسِ أَمَانَةٌ إلاَّ أَفْرَاد، أَفْرَادٌ مِن الْنَّاسِ تَبْقَى فِيهِمْ
أَمَانَةٌ، وَالْكَثْرَةُ لَيْسَ فِيهِمْ أَمَانَةٌ، دِينُهِمْ دُنْيَاهُمْ؛ لَهَا
يَرْضَوْنَ، وَلَهَا يَسْخَطُونَ، وَلَهَا يَعْمَلُونَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ
أَمَانَةٌ، ويستَبِيحُون تَحْصِيلَ الْمَالِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ - بِالرِّبَا،
بِالْغِشِّ، بِالْخَدِيعَةِ، بِالْمَكْرِ -، وَيُسَمُّونَ هَذَا مَهَارَةٌ فِي
التَّعَامُل، يُسَمُّونَ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةَ وَاللَّعِبَ عَلَى النَّاس،
يُسَمُّونَهُ مِن الْمَهَارَةِ وَالحذْقِ مِن الْمُعَامَلاَتِ، لاَ يُسَمُّونَهُ
الْغِشَّ وَالْخِيَانَةَ، لاَ، بَلْ يُسَمُّونَهُ مِن الْكِيَاسَةِ والتنبُّؤِ
لِلْمُعَامَلاَتِ، فَيُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا.
إلاَّ
أَفْرَادٌ مِنْ النَّاسِ. يَقُوْل حُذَيْفَةُ رضي الله عنه:
«وَلَقَدْ أَتَى عليَّ زَمَانٌ، ومَا
أُبَالِي أَيُّكُم بَايَعْتُ»؛ فِي الأَْوَّلِ لاَ أُبَالِي مَنْ أتَعَامَلُ
مَعَهُ؛ إن كَانَتْ الأَْمَانَةُ مَوْجُودَةً، لاَ أُبَالِي مَنْ أتعَاملُ مَعَهُ،
ولا أَخَافُ مِن الْغِشِّ، لَكِنْ لَمَّا تَأَخَّرَ الزَّمَانُ، وجَاءَ أُنَاسٌ
غَيرُ الأُْنَاسِ الأَْوَّلِينَ، وَالأَْمَانَةُ قلَّتْ إلاَّ فِي رِجَالٍ
قَلِيلِينَ يَتَعَامَلُ مَعَهُمْ، وَأَمَّا أَكْثَر النَّاس، فَلاَ يَأْمَنْهُمْ.