وخرَّجه
التِّرْمِذِيُّ: عن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِي الدَّرْدَاء. قَالَ: كُنَّا
مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَشَخَصَ بَبصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ. ثمَّ
قَالَ: «هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ العِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لاَ يَقْدِرُون
عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ»، فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الأَنْصَارِيُّ: كَيْفَ
يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا القُرْآنَ، فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ
وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا
زِيَادُ، إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ، هَذِهِ
التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي
عَنْهُمْ؟» قَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قُلْتُ: أَلاَ
تَسْمَعُ إِلَى مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءَ قَالَ: «صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءَ، إِنْ شِئْتَ
لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ؟ الخُشُوعُ، يُوشِكُ
أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلاَ تَرَى فِيهِ رَجُلاً خَاشِعًا»، وقَالَ:
حَسَنٌ غَرِيْبٌ ([1]).
****
وهَذَا مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَه؛ أَنَّهُ يُرْفَعُ الْعِلْمُ - الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ وَالْفَهْمُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّة رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم - مَعَ أنَّ الْقُرْآنَ وَالأَْحَادِيثَ مَوْجُودَةٌ، لَكِنْ قَلَّ مَنْ يَفْقَهُهَا، وَيَفْهَمهَا، كَثِيرٌ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَيَقْرَؤُهَا، يُمْكِنُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآن بِالْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ، وَيُتْقِنَ التِّلاَوَةَ وَالتَّجْوِيدَ، لَكِنْ لاَ يَفْقَهُ مِن الْقُرْآنِ وَلَو حَرْفًا وَاحِدًا، مُجَرَّدُ آلَةٍ، هُوَ مِثْلُ الْمُسَجِّلِ؛ الْمُسَجِّلُ تَفتَحُهُ، وَيُقْرَأُ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، فَهَذَا يَصِيرُ مِثْلَ الْمُسَجِّلِ، مُجَرَّدُ آلَةٍ تَحْفَظُ الْقُرْآن. أَمَّا أَنَّهُ يَفْقَهُ الْقُرْآنَ، الإِْنْسَانُ الَّذِي يُوَفِّقَهُ اللَّهُ لِلْفِقْهِ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ، وحتى لَوْ لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ، الْفِقْهُ يُؤْتِيهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ؛ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ([2]).
([1]) أخرجه: الترمذي رقم (2653).