الخطأ من طريق الصَّواب؛ لأنَّه إذا كان جَاهلاً
فإنَّه لا يعرف الخطأ ولا يعرف الصَّواب، وربَّما يدعو إلى الخطأ وهو لا يدري،
وربَّما يحذِّر من الصَّواب وهو لا يدري؛ لأنَّ الجَهْلَ دَاءٌ قَاتِلٌ؛ لأنَّ
الذي يدعو إلى الله يتعرَّض لِشُبُهَاتٍ يَعرِضُهَا شياطين الإنس والجنِّ؛
شُبُهَاتٍ في العقيدة، وَشُبُهَاتٍ في الحلال والحرام.
وإذا
لم يَكُنْ عنْدَهُ علْمٌ يَدْحَضُ هذه الشُّبُهَاتِ، فإنَّه سيتحيَّر، وربَّما
يَنْهَزِمُ أمام أهل الضَّلال، فتكون الخسارة الفادحة؛ فالَّذي يدعو إلى الله
يتهيَّأ بالعلم النَّافع، والسِّلاح الَّذي يقاوم به الأعداء؛ ولهذا قال صلى الله
عليه وسلم لِمُعاذٍ: «إِنَّكَ تَأْتِي
قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» ([1])؛
يَعنِي: خُذْ حِذْرَكَ.
وَأَهْلُ
الكتاب مَعرُوفُونَ، عندهم تَأْوِيلٌ، وَعنْدَهُم شُبَهٌ، وعندهم مجادلة بالباطل،
فلا بُدَّ أن يكون الذي يتوجَّه إليهم على علْمٍ بأحوالهم، وفي هذا دَلِيلٌ على
أنَّ الدَّاعية يَجِبُ عليه أن يَدْرِسَ أحوال المجتمع الذي يدعو فيه، فَيَعرِفَ
مَشَاكِلَهُ، ويعرف طِبَاع أَهْلِهِ، وَيَعرِفَ ما عنْدَهُم من المُسْتَوَى
العلْمِيِّ؛ حتَّى يكون على اسْتِعدَادٍ لمواجهتهم، وإِلاَّ فإنَّهم
سَيُحَيِّرُونَهُ، وربَّما ينهزم أمامهم، فيكون ذلك نقصًا في الدَّعوة إلى الله عز
وجل ويكون فاشلاً أمام الخُصُومِ، وأمام الأعداء.
فلا يَلِيقُ أن يَدْخُلَ مَيْدَانَ الدَّعوة حتَّى يتعلَّم ويتبصَّر ويتروَّى بالعلم النَّافع، وإذا كان عنده بعض علم أو شيء من العلم، فإنَّه يدعو بِقَدْرِ ما عنده من العلم، ويتوقَّف عن الأشياء الَّتي لا يَعرِفُهَا، ولا يدخل مع النَّاس في مَعمَعةٍ لا يُحْسِنُهَا، لكن إذا كان عنده شيء من العلم، فَلْيَدْع بمقدار علمه، ويتوقَّف عن الأمور التي لا يُحْسِنُهَا.
([1]) أخرجه: البخاري رقم (1496)، ومسلم رقم (19).