×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثالث

·       أمَّا وسائل الدَّعوة:

فالدَّعوة لها مَنَاهِجُ، ولها وَسَائِلُ، ولا بُدَّ أن تَعرِفَ المَنَاهِجَ وَتَعرِفَ الوَسَائِلَ. والمَنَاهِجُ تَوْقِيفِيَّةٌ تُؤْخَذُ من الكتاب والسُّنَّة، والوَسَائِلُ غير توقيفيَّة. هذا هو الفَرْقُ بينهما.

فالمناهج ذَكَرَهَا اللهُ تَعالَى في الآيات الَّتي سَمِعتُمْ ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ [النحل: 125].. إلى آخر الآيات؛ حَيْثُ ذَكَرَ اللهُ مَنَاهِجَ الدَّعوة مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل: 125] والحكمة هي العلم. فَفِيهِ اشْتِرَاطُ العلْمِ فِي الدَّاعيَةِ.

والحِكْمَةُ أيضًا: وَضْع الشَّيْءِ في مَوْضِعهِ؛ بِأَنْ يَضَع الأُمُورَ في مَوَاضِعهَا، فَيُخَاطِبَ كلًّا حَسَبَ مُسْتَوَاهُ؛ فالجاهل له خِطَابٌ، وَالعالِمُ له خِطَابٌ.

يُخَاطِبُ النَّاسَ بِحَسَبِ مستوياتهم: العوَامُّ لهم خِطَابٌ، والعلماء لهم خِطَابٌ، وطلبة العلم لهم خطاب، ووُلاةُ الأمور لهم خطاب.. فكلٌّ يُخَاطَبُ بِقَدْرِ ما يَلِيقُ به بِحَسَبِ مَكَانَتِهِ، فلو خَاطَبْتَ العامِّيَّ بِخِطَابِ العالِمِ أَخْطَأْتَ، ولو خَاطَبْتَ السُّلْطَانَ بِخِطَابِ غَيْرِ السُّلْطَانِ أَخْطَأْتَ.

ولهذا لمَّا أرسل الله مُوسَى وهارون إلى فِرْعوْنَ الطَّاغِيَةِ الجَبَّارِ الكافر الَّذي ادَّعى الرُّبُوبيَّة قال ﴿ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤ [طه: 43- 44] مع أنَّه جَبَّارٌ طَاغِيَةٌ، وهو أَكْفَرُ الخَلْقِ، وَمُدَّعٍ للرُّبوبيَّة، يقول: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا [طه: 44] مَلِكٌ عنْدَهُ سُلْطَةٌ وَعنْدَهُ بَطْشٌ وَجَبَرُوتٌ، فَلَوْ خُوطِبَ بِخِطَابٍ غَلِيظٍ، لانْتَقَمَ ممَّن خَاطَبَهُ، وَبَطَشَ به، لَكِنْ لو خوطب بِخِطَابٍ لَيِّنٍ يُؤَثِّرُ فيه وَيَجْتَذِبُهُ. هذا