×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثالث

وصفاته بدافع التَّنزيه كما يقول، فيحمله الغُلُوُّ في التَّنزيه إلى أن يَنْفِيَ مَا سَمَّى اللهُ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أو سمَّاه به رسوله، أو وَصَفَهُ به رسوله.

هَذَا جَانِبُ المُعطِّلِ، والَّذي حَمَلَهُ على هذا التَّعطيل والإلحاد هو غُلُوُّه في التَّنْزِيهِ، ولا شَكَّ أَنَّ تَنْزِيهَ الله جل وعلا مَطْلُوبٌ، ولكن ليس مِنْ تَنْزِيهِ الله نَفْيُ ما أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، أو أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ اللهَ جل وعلا أَعلَمُ بِنَفْسِهِ وَأَعلَمُ بِغَيْرِهِ وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ، وَأَعلَمُ النَّاس بالله عز وجل مِنَ الخَلْقِ هُوَ رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم.

فَلَيْسَ فِيمَا سَمَّى اللهُ بِهِ نَفْسَهُ، أو وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أو سَمَّاهُ به رسوله، أو وَصَفَهُ بِهِ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَشْبِيهٌ؛ لأنَّ للهَ جل وعلا أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ تَخُصُّهُ وَتَلِيقُ به، وَلِلمَخْلُوقِينَ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ تَلِيقُ بِهِمْ، وإن اشتركت في اللَّفْظِ والمعنى، إِلاَّ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي الكَيْفِيَّةِ والحَقِيقَةِ. هذا مَسْلَكُ أَهْلِ السُّنَّة والجماعة.

الطَّرَفُ الثَّاني: طَرَفُ المشبِّهة الَّذين غلوا في الإثبات، حتَّى شَبَّهُوا اللهَ بِخَلْقِهِ، وَجَعلُوا أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ مِنْ جِنْسِ أسماء المخلوقين وصفاتهم؛ لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، حتَّى شَبَّهُوا الخَالِقَ بِالمَخْلُوقِ، تَعالَى اللهُ عمَّا يَقُولُونَ.

والَّذي حَمَلَهُمْ علَى ذَلِكَ هُوَ الغُلُوُّ في الإثبات، والَّذي حَمَلَ الأوَّلِينَ هو الغُلُوُّ في التَّنْزِيهِ؛ الغُلُوُّ دائمًا وأبدًا مَرْفُوضٌ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى مَا لا تُحْمَدُ عقْبَاهُ، وطريق الاستقامة في هذا الباب هو ما عليه السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ والجماعة، وهو إِثْبَاتُ الأَسْمَاءِ والصِّفات لله عز وجل على وَجْهٍ يَلِيقُ بِجَلالِهِ.


الشرح