×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثالث

اعتِقَادُ ذَلِكَ غُلُوٌّ يُبْطِلُ العقِيدَةَ، وَيُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ، وَيَجْعلُ صَاحِبَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ من المسلمين؛ لأنَّ الكلام على الحقيقة، لا على الادِّعاء والانتساب فقط.

3- الغلو في التدين والعبادة:

قَالَ تَعالَى: ﴿لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ [النساء: 171]، والغُلُوُّ فِي الدِّين: هو أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَشَدَّدُ، فَيُحَمِّلَ نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَحَمَّلُ مِنَ الصِّيَامِ، أَوْ مِنَ الصَّلاة، أو في تَحْرِيمِ المُبَاحَاتِ.

قال اللهُ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ [المائدة: 87].

فالغُلُوُّ فِي الدِّين: هُوَ أنَّ الإِنْسَانَ يَزِيدُ فِي الطَّاعة، وَيَزِيدُ في العبَادَةِ، حَتَّى يُحَمِّلَ نَفْسَهُ مَا لا تُطِيقُ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عنه.

ولمَّا أَرَادَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحابة أن يزيدوا في العبادة على أنفسهم، أَنْكَرَ علَيْهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ ثَلاثَةً مِنَ الصَّحَابَةِ جَاءُوا إلى بُيُوتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عنْ عبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَجْلِ أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ عليه الصلاة والسلام فَأُخْبِرُوا عن عبادة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وعمَّا كان الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يَفْعلُ فِي بَيْتِهِ، فَكَأَنَّهُم تَقَالُّوا عبَادَةَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وقالوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وقد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ أَحَدُهُم: أمَّا أنا فَأُصَلِّي، ولا أَنَامُ. وَقَالَ الثَّاني: أمَّا أنا فَأَصُومُ، وَلا أُفْطِرُ. وقال الثَّالِثُ: أمَّا أَنَا فَلا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ.

هذا مِنَ الاجْتِهَادِ مِنْهُمْ، وقصدهم الحقَّ، ولكن الاجتهاد إذا خَالَفَ سُنَّةَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مَرْدُودٌ، فَلَمَّا علِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ،