والسَّبَبُ في هَذَا هُوَ الغُلُوُّ، وَلِهَذَا
يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ
وَالْغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ» ([1]).
أَرَأَيْتُمُ
الغُلُوَّ كَيْفَ أَهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ؟ أَرَأَيْتُمُ الغُلُوَّ كَيْفَ أَهْلَكَ
اليَهُودَ وَأَهْلَكَ النَّصَارَى؟ فَلا تَغْلُوا فِي دِينِ اللهِ، فَتَكُونُوا
مِثْلَ هَؤُلاءِ.
وَقَالَ
صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُطْرُونِي
كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا:
عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» ([2]).
فَمَنْ
غَلا فِي شَخْصٍ وَزَعمَ لَهُ شَيْئًا مِنَ الرُّبوبيَّة، فَقَدِ اتَّخَذَهُ
رَبًّا إلهًا مَعبُودًا لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ عز وجل وَإِنْ سُمِّيَ هَذَا
بِاسْمِ مَحَبَّةِ الصَّالحين، أو تَوَسُّلاً بالصَّالحين، أو سمَّاه بأيِّ اسْمٍ؛
فالأَسْمَاءُ لا تُغَيِّرُ الحَقَائِقَ، وَهَذَا شِرْكٌ، وَلَوْ سُمِّيَ
بِالتَّوَسُّلِ، أو سُمِّيَ بِمَحَبَّةِ الصَّالحين، أو مَا أَشْبَهَ ذلك، هذا هو
الشِّرْكُ، والاسْمُ لا يُغَيِّرُ الحَقِيقَةَ؛ فَلَوْ سَمَّيْتَ السُّمَّ عسَلاً،
مَا صَارَ عسَلاً، وَلَوْ أَكَلْتَهُ، لَقَتَلَكَ.
فإذا
سُمِّي الشِّرْكُ بالأولياء والصَّالحين تَوَسُّلاً، أو سُمِّيَ مَحَبَّةً لهم،
فَإِنَّ هذا لا يُغَيِّرُ مُسَمَّاهُ؛ فَهُوَ شِرْكٌ بالله عز وجل وَهَذَا هُوَ
الَّذي أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَحَذَّرَنَا مِنْهُ رَسُولُ الله صلى الله
عليه وسلم.
وَأَشَدُّ الغُلُوِّ - وَالعيَاذُ بالله - الاِعتِقَادُ فِي الأَشْيَاءِ فَوْقَ مَا هِيَ علَيْهِ؛ مِنْ الاِعتِقَادِ فِي الأَشْخَاصِ، وَالاِعتِقَادِ فِي بِقَاع مِنَ الأَرْضِ، أو الاعتِقَادِ فِي جِبَالٍ، أو أَشْجَارٍ، أو في أَحْجَارٍ، أو في قُبُورٍ؛ فَالاعتِقَادُ فِيهَا أَنَّهَا تَنْفَع، أَوْ تَضُرُّ، أَوْ تَجْلِبُ خَيْرًا، أو تَدْفَع شَرًّا،
([1]) أخرجه: النسائي رقم (3057)، وابن ماجه رقم (3029)، وأحمد رقم (3248).