×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثالث

4- الغلو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

بِحَيْثُ إنَّ الإِنْسَانَ يَخْرُجُ عنْ نِظَامِ الشَّرْع في الأَمْرِ بالمَعرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ؛ فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ» ([1]).

والأَمْرُ بالمَعرُوفِ والنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ يَكُونُ علَى قَوَاعدِ الشَّريعة، وعلى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ عنْ ذَلِكَ وَزَادَ بِحَيْثُ إنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ علَى وُلاةِ الأُمُورِ المُسْلِمِينَ وَيَنْقُضُ وِلايَتَهُمْ وَيَدْعو إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ، فَهَذَا غُلُوٌّ فِي الأَمْرِ بالمَعرُوفِ والنَّهْيِ عن المُنْكَرِ، وهذا مَذْهَبُ الخَوَارِجِ، وَمَذْهَبُ المُعتَزِلَةِ.

فَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الخُرُوجَ علَى الأَئِمَّةِ مِنَ الأَمْرِ بِالمَعرُوفِ، والنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ، وَوُلاةُ أُمُورِ المُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ عنْدَهُمْ مَعاصٍ مَا دَامُوا لم يَخْرُجُوا عنِ الإسلام، فإنَّ وِلايَتَهُمْ بَاقِيَةٌ، وَطَاعتَهُمْ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ عصُوا وَفَسَقُوا، مَا لَمْ يَخْرُجُوا إلى الكُفْرِ الصَّرِيحِ.

فَعنْ عبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَا، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ يُبَايِعنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَْمْرَ أَهْلَهُ. قَالَ: «إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» ([2]).

وإنَّما وَقَع الخَوَارِجُ فِيمَا وَقَعوا فِيهِ، وَالمُعتَزِلَةُ وَقَعوا فِيمَا وَقَعوا فِيهِ مِنَ الضَّلالِ بِسَبَبِ الغُلُوِّ فِي الأَمْرِ بالمَعرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ؛


([1])  أخرجه: مسلم رقم (49).

([2])  أخرجه: البخاري رقم (7055، 7056)، ومسلم رقم (1709).