×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثالث

فَالخَوَارِجُ خَرَجُوا علَى علِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالَى عنْهُ - الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ رَابِع الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.

خَرَجُوا علَيْهِ بِزَعمِهِمْ أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالمَعرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عنِ المُنْكَرِ، وَأَنَّ علِيًّا رضي الله عنه مُقَصِّرٌ في ذلك، ولم يَقُمْ بِالوَاجِبِ، فَخَرَجُوا علَيْهِ، بَلْ كَفَّرُوهُ - وَالعيَاذُ بِاللهِ - وَهُمْ يَزْعمُونَ أَنَّهُمْ يأمرون بالمعروف، وَيَنْهَوْنَ عنِ المُنْكَرِ، وَتَبِعهُمْ علَى ذَلِكَ المُعتَزِلَةُ، وَاعتَقَدُوا أَنَّ الخُرُوجَ علَى الأَئِمَّةِ مِنَ الأَمْرِ بالمَعرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ؛ فَهَذِهِ عقِيدَةُ المُعتَزِلَةِ وَالخَوَارِجِ.

أمَّا عقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ، فَهِيَ تَحْرِيمُ الخُرُوجِ علَى وُلاةِ الأمور، والصَّبْرُ علَى طَاعتِهِمْ، مَع مُنَاصَحَتِهِمْ، وَلا يُسْكَتُ عمَّا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مِنَ المُخَالَفَاتِ، بل يُنَاصَحُونَ، وَيُبَيَّنُ لَهُمْ، وَيُطْلَبُ مِنْهُمْ إِنْكَارُ المُنْكَرِ، والأمر بالمعروف. هَذِهِ عقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ.

والخَوَارِجُ إنَّمَا خَرَجُوا وَسُمُّوا بالخوارج بِسَبَبِ غُلُوِّهِم في الدِّين؛ فالخَوَارِجُ كَانُوا أَصْحَابَ عبَادَةٍ عظِيمَةٍ، حَتَّى اصْفَرَّتْ وُجُوهُهُم مِنْ قِيَامِ اللَّيل، وَكَانُوا يَتْلُونَ القُرْآنَ، وَكَانَ يُسْمَع لَهُمْ دَوِيٌّ مِنْ تِلاوَةِ القُرْآنِ، وَكَانُوا يَصُومُونَ، وَلِهَذَا وَصَفَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ... يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» ([1]).

وَصَفَهُمْ أَنَّهُمْ: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يَتَجَاوَزُ حَنَاجِرَهُمْ» ([2]). لا يَعمَلُونَ بِالقُرْآَنِ، وَإِنَّمَا يَعمَلُونَ بِالزِّيَادَةِ، وَلِتَشَدُّدِهِمْ وَغُلُوِّهِمْ سُمُّوا بِالخَوَارِجِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ زَادُوا عنِ الحَدِّ فِي العبَادَةِ، وَزَادُوا عنِ الحَدِّ فِي الأَمْرِ بِالمَعرُوفِ، وَالنَّهْيِ عنِ المُنْكَرِ، حَتَّى خَرَجُوا علَى وُلاةِ المُسْلِمِينَ.


([1])  أخرجه: البخاري رقم (3344)، ومسلم رقم (1064).

([2])  أخرجه: البخاري رقم (3344)، ومسلم رقم (1064).