فَهُمْ عبَدُوهُم بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ
مِنْ دُونِ اللهِ، فَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللهُ، وَأَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ،
فَأَطَاعوهُم وَهُمْ يَعلَمُونَ أَنَّهُم مُخَالِفُونَ لِمَا شَرَعهُ الله،
وأنَّهم مغيِّرون ومبدِّلون، فكان ذلك عبَادَةً لَهُمْ، وهذا مِنَ الغُلُوِّ في
الأَشْخَاصِ.
فَالعالِمُ
إِنَّمَا يُطَاع فِي طَاعةِ الله عز وجل وإنَّما يُؤْخَذُ قَوْلُ العالِمِ إِذَا
وَافَقَ الدَّلِيلَ، فَإِذَا خَالَفَ الدَّلِيلَ فإنَّه لا يُقْبَلُ، وَلِهَذَا
يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «لاَ طَاعَةَ
لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ([1]).
والعلَمَاءُ
يَقُولُونَ: إِذَا خَالَفَتْ أَقْوَالُنَا الدَّلِيلَ، فَلا تَأْخُذُوهَا، كَمَا
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعيُّ رحمه الله: «إذا
خَالَفَ قَوْلِي قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي
عرْضَ الحَائِطِ».
والإِمَامُ
أَحْمَدُ رحمه الله يَقُولُ: «عجِبْتُ لِقَوْمٍ عرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ
يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْيِ سُفْيَانَ، وَاللهُ تَعالَى يَقُولُ: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] فالأئمَّة - رَحِمَهُمُ
اللهُ تَعالَى - يُحَذِّرُونَ مِنْ أَخْذِ أَقْوَالِهِمْ بِدُونِ دَلِيلٍ؛ لأنَّهم
رِجَالٌ مُجْتَهِدُونَ يُخْطِئُونَ وَيُصِيبُونَ».
2-
الغلو في الصالحين حتى يُعبدوا مِنْ دُونِ الله:
كَمَا حَصَلَ لِقَوْمِ نُوحٍ؛ فَقَوْمُ نُوحٍ إنَّمَا كَانَ سَبَبُ شِرْكِهِمْ وَهَلاكِهِم أَنَّهُم غَلُوا فِي الصَّالِحِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ قِصَّتَهُمْ فِي القُرْآَنِ الكَرِيمِ؛ فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ علَى التَّوْحِيدِ علَى دِينِ آدَمَ عليه الصلاة والسلام، لَيْسَ فِيهِمْ شِرْكٌ، وَلَيْسَ فِيهِمُ انْحِرَافٌ، بَلْ كَانُوا علَى دِينِ آَدَمَ عشَرَةَ قُرُونٍ بَعدَ آَدَمَ.
([1]) أخرجه أحمد رقم (20653)، والطبراني في الكبير رقم (381).