عن التَّعليم النِّظاميِّ وغير النِّظاميِّ،
وَانْطَوَتْ علَى أَنْفُسِهَا، تَشْتَرِي الكتب وتقرأ فيها، وإذا قرأ الواحد منهم
صفحة أو صفحتين من كتاب، أو قرأ الكتاب كاملاً، ظَنَّ أنَّه أَصْبَحَ عالمًا، فصار
يقول ويُفْتِي ويُضَعِّفُ في الأحاديث ويصحِّح ويجرح الرُّواة، وهو جاهل مركَّب.
غَايَةُ
مَا يَكُونُ أنَّه يَقْرَأُ الحُرُوفَ فَقَطْ يتهجَّاها، ولا يَعرِفُ معناها، ولأنَّه
لم يَدْرِسِ القَوَاعدَ العلميَّة، والضَّوابطَ الفقهيَّة.
والعلماء
يَشْتَرِطُونَ في العالم أو المُفْتِي شُرُوطًا عظِيمَةً؛ يشترطون أن يَكُونَ
عالمًا في كتاب الله، وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عالمًا بلغة العرب
والنَّحو والصَّرف والبيان والبديع ومشتقات اللُّغة التي نزل بها القرآن، ونطقت
بها السُّنَّة، وعالمًا بالنَّاسخ والمنسوخ والخاصِّ والعامِّ والمُطْلَقِ
والمُقَيَّدِ والمنطوق والمفهوم، وعالمًا بالصَّحيح والحسن والضَّعيف والموضوع من
الأحاديث.
فما
كان أَحَدٌ من العلماء في أوَّل الأمر يجلس للتَّدريس ولا يُفْتِي بفتوى، إِلاَّ
إذا أعطاه شُيُوخُه إِجَازَةً، ثمَّ بعد ذلك يُزَاوِلُ العمَلَ على حَسَبِ
استطاعته.
وأيضًا
ما كانوا يَحْرِصُونَ علَى الكلام في المسائل، بل كانوا يتدافعونها؛ كلُّ واحد
منهم يقول: اذهب إلى فُلانٍ. يَخْشَوْنَ المَسْئُولِيَّةَ.
ما
كانوا يَحْرِصُونَ علَى الكَلامِ فِي العلْمِ، وَلَوْ كَانَ عنْدَهُم مؤهِّلات ولو
كانوا يَسْتَطِيعونَ الكلام، لكنَّهم مهما أمكنهم أن يجعلوها في غيرهم، ومن هو
أكبر منهم، ولا يَصْلُحُ أَمْرُ الأمَّة إِلاَّ هكذا.
أمَّا
أن يأتي إنسان بِدَائِيٌّ، ثمَّ يجلس يُفْتِي النَّاسَ يُؤَلِّفُ المؤلَّفات،
ويحكم على رجال السَّنَد بالجرح والتَّعديل، وَيُضَعِّفُ الأَحَادِيثَ فَهَذِهِ