×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثالث

مجالًا، وأنَّ مَدَارِكَ العلماء تَخْتَلِفُ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ علَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ منهم مَنْ يُخْطِئُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصِيبُ، وكلُّهم مَأْجُورُونَ مَا دَامَ أنَّ نِيَّتَهُم طَيِّبَةٌ، ويريدون الحَقَّ، وهم مؤهَّلون للاجتهاد، وَهَدَفُ الجميع الوصول إلى الحَقِّ، وهذا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ علماء المسلمين.

الهَدَفُ فِي ذَلِكَ الأَمْرِ الوُصُولُ إلى الحَقِّ، لكن منهم مَنْ يَطْلُبُهُ وَيُوَفَّقُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لا يَصِلُ إليه، وهذا فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَلَكِنْ كُلُّهُمْ مَأْجُورُونَ والحَمْدُ لله؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ([1]).

واختلاف المذاهب الأربعة مِنْ هَذَا القَبِيلِ، وكلُّها والحمد لله مَذَاهِبُ سُنَّةٍ؛ فالأئمَّة الأَرْبَعةُ عقِيدَتُهُم وَاحِدَةٌ، لم يختلفوا فيها عن منهج السَّلف، لكن اخْتَلَفُوا في الفقه والاستنباط، وفي المسائل الفقهيَّة، وهذا لا يجلب عدَاوَةً فيما بينهم، بل كانوا إِخْوَةً، الحَنَفِيُّ والشَّافعيُّ والحنبليُّ والمالكيُّ كلُّهم والحمد لله إِخْوَةٌ، ولا يؤثِّر بينهم الخِلافُ الَّذي في المسائل الفرعيَّة ولا يتسبب في عداوة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة يبين فيها أنَّ اختلافهم في المسائل الفقهيَّة ليس فيه لَوْمٌ؛ لأنَّهم كلَّهم يريدون الحقَّ، ولكن منهم مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ، ومنهم مَنْ لا يَصِلُ إليه، والَّذي لم يَصِلْ مَعذُورٌ.

ولكن إذا تبيَّن لنا بالدَّليل أَنَّ قَوْلَ فُلانٍ هُوَ الصَّوَابُ وَرَأْيَ فُلانٍ خَطَأٌ، يجب علينا أن نأخذ بالصَّواب، ونترك الخطأ، لكن لا نَحُطُّ من قَدْرِ هَذَا المُجْتَهِدِ الَّذي أَخْطَأَ، ولا نَنْتَقِصُهُ؛ لأنَّه مَأْجُورٌ عند الله سبحانه وتعالى.

بَلْ نَدْعو له، ونترحَّم عليه، ونقول: العصمة لكتاب الله وسنَّة


([1])  أخرجه: البخاري رقم (7352)، ومسلم رقم (1716).