إِلاَّ الأَعمَالُ الصَّالِحَةُ؛ فالإيمانُ
بالله عز وجل والعمَلُ الصَّالِحُ هُوَ زَادُ الآَخِرَةِ، وَهُوَ الوِقَايَةُ مِنْ
غَضَبِهِ، وَمِنْ نَارِهِ، وَمِنْ عذَابِهِ؛ فالعبْدُ مَأْمُورٌ بِمَصَالِحِ
دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمَأْمُورٌ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُ وَآَخِرَتِهِ، وَمَأْمُورٌ
بالتَّوَكُّلِ على الله سبحانه وتعالى وَمَأْمُورٌ بِفِعلِ الأَسْبَابِ.
فلا
بُدَّ مِنَ الجَمْع بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؛ فَلا يَفْهَمُ أَحَدٌ أَنَّ مَعنَى
التَّوَكُّلِ على الله تعالى تَرْكُ الأَسْبَابِ النَّافِعةِ. هَذَا غَلَطٌ، وَلا
يَفْهَمُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنَّ فِعلَ الأَسْبَابِ يَكْفِي عنِ التَّوَكُّلِ على
الله، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الأَمْرَيْنِ: التَّوَكُّلِ على الله، وَفِعلِ الأسباب
النَّافعة.
وقد
قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ
أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا
يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» ([1]).
«تَغْدو»:
تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ؛ لأنَّ الغُدُوَّ مَعنَاهُ
أَوَّلُ النَّهَارِ. «تَغْدُو مِنْ
أَوْكَارِهَا خِمَاصًا» «خِمَاصًا»
يَعنِي: جَائِعةً. وَ«تَرُوحُ»
يَعنِي: تَرْجِع آخر النَّهَارِ، «بِطانًا»؛
يَعنِي: مَلِيئَةَ البُطُونِ بِالرِّزْقِ.
فَلاحِظُوا
أَنَّ الطَّيْرَ لَمْ تَبْقَ فِي أَوْكَارِهَا، بَلْ بَذَلَتِ السَّبَبَ،
وَخَرَجَتْ مِنْ أَوْكَارِهَا، وَذَهَبَتْ إِلَى مَوَاطِنِ الرِّزْقِ؛ فالطُّيُورُ
بِفِطْرَتِهَا الَّتي فَطَرَها اللهُ علَيْهَا علِمَتْ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ
فِعلِ السَّبَبِ، فَخَرَجَتْ تَطْلُبُ الرِّزْقَ.
فاللهُ جل وعلا رَزَقَهَا، فَعادَتْ مَمْلُوءَةَ البُطُونِ بِرِزْقِ الله سبحانه وتعالى فَلَوْ أَنَّكُمْ يَا بَنِي آدَمَ عمِلْتُمْ هَذَا العمَلَ، لَرَزَقَكُمْ الله كَمَا يَرْزُقُ هَذِهِ الطُّيُورَ، لَكِنْ حِينَمَا يُخِلُّ الإِنْسَانُ بِهَذَا الأَمْرِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الخَلَلُ، وَيَحْصُلُ النَّقْصُ.
([1]) أخرجه: الترمذي رقم (2344)، وابن ماجه رقم (4164)، وأحمد رقم (205).