وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ»؛ «مِنْ» تَبْعيضِيَّةٌ؛ لَيْسَ كُلُّ
البَيَانِ مَذْمُومًا؛ فالبيان الَّذي يُنْصَرُ فيه الحقُّ، وَيُؤَيَّدُ بِهِ الحَقٌُّ،
هذا مَمْدُوحٌ، والخَطِيبُ البَلِيغُ إذا اسْتَعمَلَ ذَلِكَ لِنُصْرَةِ دِينِ الله
وبيان العلم للنَّاس والدَّعوة إلى الخير، هَذَا مَمْدُوحٌ.
لكن
الخطيب والكاتب والشَّاعر إذا استعمل ذلك لِنُصْرَةِ الباطل وَتَزْيِيفِ الحقِّ،
فَهَذا سَاحِرٌ؛ كما في الحديث: «وَإِنَّ
مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ([1])؛
يَعنِي: يَسْحَرُ عقُولَ النَّاس؛ فهذا نَوْع مِنَ السِّحْرِ، قد يَصِلُ إلى الكفر،
وقد يكون دون ذلك؛ حَسَبَ ما يؤثر من الباطل.
النوع
الرابع: النَّمِيمَةُ: وهي نَقْلُ الحديث بين النَّاس على
وجه الإفساد؛ يَذْهَبُ إلى هذا ويقول: فلان يتكلَّم فيك، فُلانٌ يَسُبُّكَ، فُلانٌ
يَتَكَلَّمُ في غَيْبَتِكِ بِكَلامٍ قَبِيحٍ في حقِّك يقول: أنت بخيل، أنت جاهل،
أنت كذا وكذا... ثمَّ يَشْحِنُ صَدْرَ هذا الشَّخص على أخيه، ثمَّ يذهب إلى
الثَّاني ويقول: والله فلان يَسٌُبُّكَ، فلان يتكلَّم فيك، فَيُوقِع بَيْنَ
الاثنين عدَاوَةً بَيْنَ الأصدقاء وَبَيْنَ المؤمنين؛ لأنَّ المؤمنين إِخْوَةٌ،
فإذا جاء النَّمَّامُ، فَرَّقَ بينهم.
بل
ربَّما أثار الحرب بين المسلمين، وربَّما سبَّب القطيعة بين المسلمين، فَلا
يَتَوَاصَلُونَ إلى المَوْتِ، وربَّما يفرِّق بين الأقارب؛ بين الوالد وَوَلَدِهِ،
وبين الأمِّ وَوَلَدِهَا، وبين الأخ وأخيه، وربَّما يفرِّق بين العالِمِ وَبَيْنَ
طُلاَّبِهِ.
ربَّما يفرق بين طلبة العلم، ربَّما يفرِّق بين عامَّة المسلمين، ويجعل المجتمع كلَّه شرًّا، وَكُلَّهُ بَغْضَاءً، بسبب هذا النَّمَّام، هذا نَوْع مِنَ
([1]) أخرجه: البخاري رقم (5146).