وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا: إنَّ الدَّاعيَةَ إلى
الله يَحْتَاجُ إِلَى علْمٍ؛ لأنَّه كَيْفَ يَسْتَطِيع أَنْ يُجَادِلَ بِالَّتِي
هي أحسن إِلاَّ إذا كان عنْدَهُ علْمٌ، وكان عنْدَهُ بَصِيرَةٌ تَأَهَّلَ بِهَا،
وَتَسَلَّحَ بِهَا مِنَ الأَوَّلِ قَبْلَ أن يدخل الميدان.
إذًا
فالمَدْعوُّونَ: إِمَّا أن يكونوا جُهَّالاً يقبلون الحقَّ إذا بُيِّنَ لهم،
وإمَّا أن يكون عندهم شَيْءٌ من الكسل بعد بيان الحقِّ لهم، فيحتاجون إلى موعظة،
وإمَّا أن يكون عندهم شبهات يتعلَّقون بها، ويبرِّرون ما هم عليه بشبهاتهم،
فيحتاجون إلى جِدَالٍ حتَّى تَزُولَ شُبُهَاتُهُم، وَتَنْقَطِع مَعذِرَتُهُم.
وقد
ذَكَرَ مَعنَى هذا التَّقسيم على هاتين الآيتين الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في
تفسيره، وذكره أيضًا ابْنُ القَيِّمِ أَخْذًا من هذه الآَيَةِ.
ففيهما
مَنْهَجُ الدَّعوَةِ وَاضِحٌ لا إِشْكَالَ فِيهِ، وَأَنَّهُ يعتمد أوَّلاً على
الإخلاص لله، وَيَعتَمِدُ ثَانيًا على العلْمِ، وَيَعتَمِدُ ثَالِثًا على
الطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتي بها تُوَصِّلُ الدَّعوة إلى الله عز وجل إلى
قلوب النَّاس.
فإذا
كانت الدَّعوة تسير على طريقة صحيحة، فإنَّها تَصِلُ إلى القُلُوبِ، وَيَنْفَع
اللهُ جل وعلا بها، ولو لم يَهْتَدِ بِهَا إِلاَّ القَلِيلُ، إِلاَّ أَنَّهَا على
مَرِّ الزَّمَانِ تَبْقَى آَثَارُهَا.
فَيَهْتَدِي
بِهَا أَجْيَالٌ مُسْتَقْبَلَةٌ، وَاعتَبِرُوا بِآَثَارِ المُصْلِحِينَ مِنْ
علَمَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ حَيْثُ بَقِيَتْ آَثَارُهُمْ بَيْنَ النَّاسِ؛ مِثْلَ
شَيْخِ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ، وابن القَيِّمِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ
المُصْلِحِينَ، نَفَع اللهُ بِدَعوَتِهِمْ في وَقْتِهِم، ونفع الله بها بَعدَ وَقْتِهِمْ،
ولا يزال النَّاسُ ينتفعون بها؛ لأنَّها سارت على مَنْهَجٍ صَحِيحٍ، وعلى شرع،
وعلى بصيرة.
فَصَارَ
أَثَرُهَا بَاقيًا ومستمرًّا، والحمد لله، وَأَيْضًا مِنْ مَنْهَجِ الدَّعوَةِ إلى
الله عز وجل الأولويَّات في الدَّعوة؛ بِأَنْ يُبْدَأَ بِالأَهَمِّ فالأَهَمِّ،
كما هي دَعوَةُ الرُّسُلِ علَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.