وَ«الخَوَارِجُ»
يَقُولُونَ: مُرْتَكِبُ الكَبِيرَةِ كَافِرٌ، ولا يُغْفَرُ لَهُ، وهو مُخَلَّدٌ في
النَّار. وَهَذَا خِلافُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ الله - سُبْحَانَ اللهِ وَتَعالَى
- والسَّبَبُ أَنَّهُمْ ليس عنْدَهُمْ فِقْهٌ.
لاحظوا
أنَّ السَّبَبَ الَّذي أَوْقَعهُمْ فِي هَذَا أَنَّهُمْ لَيْسَ عنْدَهُم فِقْهٌ؛
لأنَّهم جَمَاعةٌ اشْتَدُّوا في العبادة، والصَّلاة، والصِّيام، وَتِلاوَةِ القُرْآَنِ،
وَعنْدَهُمْ غَيْرَةٌ شديدةٌ، لكنَّهم لا يَفْقَهُونَ، وهذه هِيَ الآَفَةُ.
فالاجتهاد
في الوَرَع والعبادة لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَع الفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالعلْمِ.
وَلِهَذَا وَصَفَهُمُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه بِأَنَّ الصَّحَابَةَ
يَحْقِرُونَ صَلاتَهُمْ إلى صَلاتِهِم، وَعبَادَتَهُمْ إلى عبَادَتِهِمْ، ثُمَّ
قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَمْرُقُونَ
مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» ([1])،
مَع عبَادَتِهِم، وَمَع صَلاحِهِمْ، ومع تَهَجُّدِهِم، وَقِيَامِهِم باللَّيل.
لَكِنْ
لَمَّا كَانَ اجْتِهَادُهُمْ لَيْسَ علَى أَصْلٍ صَحِيحٍ، ولا علَى علْمٍ صَحِيحٍ،
صار ضَلالاً وَوَبَاءً وَشَرًّا علَيْهِمْ وَعلَى الأُمَّةِ.
وَمَا
عُرِفَ عنِ «الخوارج» في يَوْمٍ مِنَ
الأيَّام أنَّهم قاتلوا الكفَّار أبدًا، إنَّما يقاتلون المسلمين، كما قال صلى
الله عليه وسلم: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ
الإِْسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَْوْثَانِ» ([2]).
فَمَا عرَفْنَا فِي تَارِيخِ «الخوارج» فِي يَوْمٍ من الأيَّام أنَّهم قَاتَلُوا الكفَّار والمشركين، وإنَّمَا يقاتلون المسلمين دائمًا؛ قَتَلُوا عثْمَانَ، وَقَتَلُوا علِيَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَقَتَلُوا الزُّبَيْرَ بْنَ العوَّامِ، وَقَتَلُوا خِيَارَ الصَّحَابَةِ، وَمَا زَالُوا يَقْتُلُونَ المُسْلِمِينَ.
([1]) أخرجه: البخاري رقم (3610)، ومسلم رقم (1064).