×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثالث

وَالأَحَادِيثُ في النَّهْيِ عن البِدَع والمُحْدَثَاتِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَمَشْهُورَةٌ، وَكَلامُ أَهْلِ العلم من الصَّحابة والتَّابعين وَمَنْ جَاءَ بَعدَهُم من المحقِّقين كَلامٌ مَعلُومٌ وَمَشْهُورٌ، وليس هناك بِدْعةٌ حَسَنَةٌ أَبَدًا، بل البِدَع كُلُّهَا ضَلاَلَةٌ، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».

فالَّذي يَزْعمُ أنَّ هُنَاكَ بِدْعةً حَسَنَةً، يُخَالِفُ قَوْلَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» ([1])، وَهَذَا يَقُولُ: هُنَاكَ بِدْعةٌ لَيْسَتْ ضَلالَةً! ولا شَكَّ أَنَّ هذا مُحَادٌّ لله وَرَسُولِهِ.

أمَّا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِْسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» ([2])، فَهَذَا لا يَدُلُّ على ما يَقُولُهُ هؤلاء؛ لأنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لم يَقُلْ: مَنِ ابْتَدَع بِدْعةً حَسَنَةً، وَإِنَّمَا قَالَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً»، والسُّنَّةُ غَيْرُ البِدْعةِ.

السُّنَّةُ هِيَ مَا كَانَ مُوَافِقًا للكِتَابِ والسُّنَّةِ، مُوَافِقًا للدَّلِيلِ. هذه هي السُّنَّة؛ فَمَنْ عمِلَ بالسُّنَّةِ الَّتِي دَلَّ علَيْهَا الكتاب والسُّنَّةُ، يَكُونُ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القيامة.

يَعنِي: مَنْ أَحْيَا هَذِهِ السُّنَّةَ وَعلَّمَهَا للنَّاسِ وَبَيَّنَهَا للنَّاس وَعمِلُوا بها اقْتِدَاءً به، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِهِم.

وَسَبَبُ الحَدِيثِ مَعرُوفٌ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ أُنَاسٌ مُحْتَاجُونَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ العرَبِ، عند ذلك رَقَّ لهم الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنَ الكَآَبَةِ مِنْ حَالَتِهِم، فَأَمَرَ بالصَّدَقَةِ، وَحَثَّ علَيْهَا، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وتَصَدَّقَ بِمَالٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ تَتَابَع النَّاسُ، وَتَصَدَّقُوا؛ اقْتِدَاءً بِهِ؛ لأنَّه بَدَأَ لَهُمُ الطَّرِيقَ.


([1])  أخرجه: أبو داود رقم (4607)، وابن ماجه رقم (42)، وأحمد رقم (17144).

([2])  أخرجه: مسلم رقم (1017).