والسَّلَفُ حذَّرونا من الثِّقة في المبتدعة،
ومن الثَّناء عليهم، ومن مجالستهم، وفيما كتب به أَسَدُ بْنُ مُوسَى: «وإيَّاك أن يَكُونَ لك مِنَ البِدَع أَخٌ
أَوْ جَلِيسٌ أَوْ صَاحِبٌ، فإنَّه جاء في الأثر: مَنْ جَالَسَ صاحب بدعة، نُزِعتْ
منه العصْمَةُ، وَوُكِلَ إلى نفسه، وَمَنْ مَشَى إلى صاحب بِدْعةٍ، مَشَى إلى هدم
الإسلام».
والمُبْتَدِعةُ
يجب التَّحذير منهم، وَيَجِبُ الابتعادُ عنْهُم، ولو كان عنْدَهُم شَيْءٌ مِنَ
الحَقِّ؛ فإنَّ غَالِبَ الضَّلال لا يَخْلُوَنَّ مِنْ شَيْءٍ من الحقِّ، ولكن ما
دام عنْدَهُمُ ابْتِدَاع، وعندهم مُخَالَفَاتٌ، وعندهم أفكار سَيِّئَةٌ.
فلا
يجوز الثَّنَاءُ عليهم، ولا يجوز مَدْحُهُم، ولا يجوز التَّغاضي عن بدعتهم؛ لأنَّ
في هذا ترويجًا للبِدْعةِ، وَتَهْوِينًا من أمر السُّنَّة؛ وبهذه الطَّريقة
يَظْهَرُ المبتدعة، ويكونون قَادَةً للأمَّة لا قَدَّرَ اللهُ.
فالواجب
التَّحْذِيرُ منهم، وفي أئمَّة السُّنَّة ليس عندهم ابتداع في كلِّ عصر - ولله
الحمد - فيهم الكفاية للأمَّة، وَهُمُ القُدْوَةُ.
فالوَاجِبُ
اتِّباع المستقيم على السُّنَّة الَّذي ليس عنده بدعة، وأمَّا المبتدع فالواجب
التَّحذير منه، والتَّشنيع عليه؛ حتَّى يَحْذَرَهُ النَّاس، وحتَّى ينقمع هو
وَأَتْبَاعهُ.
وأمَّا
كَوْنُ عنْدَهُ شَيْءٌ من الحَقِّ، فهذا لا يُبَرِّرُ الثَّنَاءَ علَيْهِ أَكْثَرَ
من المصلحة، وَمَعلُومٌ أنَّ قَاعدَةَ الدِّين: «إنَّ دَرْأَ المفاسد مقدَّم على جلب المصالح».
وَفِي
مُعادَاةِ المُبْتَدِع دَرْءُ مَفْسَدَةٍ عن الأمَّة تَرْجُحُ على ما عنْدَهُ من
المصلحة المزعومة إن كانت، وَلَوْ أَخَذْنَا بهذا المَبْدَأِ، لم يُضَلَّلْ
أَحَدٌ،