ولا عرفوها كما ينبغي، وإنَّما تَحْمِلُهُمُ
الحَمَاسَةُ والغيرة لإزالة المُنْكَرِ على أن يقعوا فيما يُخَالِفُ الشَّرْع، كما
وَقَعتِ الخَوَارِجُ والمعتزلة؛ حَمَلَهُمْ حُبُّ نصر الحقِّ أو الغَيْرَةُ
للحقِّ؛ حَمَلَهُمْ ذَلِكَ على أَنْ وَقَعوا في الباطل، حتَّى كفَّروا المسلمين
بالمعاصي كما فعلت الخوارج، أو خلَّدوهم في النَّار بالمعاصي كما تفعل المعتزلة.
فَالخَوَارِجُ
كَفَّروا بالمعاصي، وَخَلَّدُوا العصَاةَ في النَّار، والمعتزلة وَافَقُوهُم في
العاقبة، وأنَّهم في النَّار مخلَّدون فيها، ولكن قالوا: إنَّهم في الدُّنيا
بمنزلة بين المنزلتين، وكلُّه ضلال.
والَّذي
عليه أَهْلُ السُّنَّة - وهو الحَقُّ - أَنَّ العاصي لا يُكَفَّرُ بمعصيته ما لم
يَسْتَحِلَّهَا، فإذا زَنَا، لا يُكَفَّرُ، وإذا سَرَق، لا يُكَفَّرُ، وإذا شَرِبَ
الخَمْرَ، لا يُكَفَّرُ، ولكن يكون عاصيًا ضعيف الإيمان فاسقًا تُقَامُ عليه
الحدود، ولا يكفَّر بذلك إِلاَّ إذا اسْتَحَلَّ المعصية وقال: إنَّها حلال.
وَمَا
قَالَهُ الخَوَارِجُ في هذا باطل؛ تَكْفِيرُهُم للنَّاسِ بَاطِلٌ، وَلِهَذَا قَالَ
فِيهِمُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ»،
ثُمَّ لاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ؛ «يُقَاتِلُونَ
أَهْلَ الإِْسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَْوْثَانِ» ([1]).
هَذِهِ حَالُ الخَوَارِجِ بِسَبَبِ غُلُوِّهم وَجَهْلِهِم وَضَلالِهِم؛ فلا يَلِيقُ بالشَّبَابِ ولا غَيْرِ الشَّباب أن يُقَلِّدُوا الخَوَارِجَ والمُعتَزِلَةَ، بل يَجِبُ أن يَسِيرُوا على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، على مُقْتَضَى الأدلَّة الشَّرعيَّة، فيقفوا مع النُّصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السُّلطان مِنْ أَجْلِ مَعصِيَةٍ أو مَعاصٍ وَقَعتْ منه.