وبملء الأفكار والأذهان من
العلم؛ لأن هذا هو وسيلة العمل للدين والدنيا، فلا يزهد بأن يقولوا: اعرفوا واقع
الناس! واطلعوا عما يجري في العالم، ولا تكونوا منعزلين عن العالم، فالذي ليس عنده
بعد نظر ينخدع بهذه الأقوال، فعلمكم ودروسكم أهم عليكم من تتبع المجريات في
العالم، وأيضًا لا تستفيدون من متابعتها، لا تستفيدون إلا تشوش الأفكار وضياع
الوقت، وأنتم جئتم للعلم والتعلم، فاحفظوا وقتكم لما توجهتم إليه -وهو طلب العلم-،
وسيشغل وقتكم، ولا يبقى منه شيئًا إلا وقت الراحة والأكل، وستعيشون مع العلم إذا
عايشتموه، تعيشون معه عيشة اللذة وعيشة الراحة والتطلع إلى الزيادة، والله جل وعلا
وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا
تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل
رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾ [طه: 114]، ما أمر الله رسوله بطلب التزود من شيء إلا
من العلم، ﴿وَقُل رَّبِّ
زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾، فلا تحسب أنك إذا فهمت مسألة أو مسألتين، أو متنا أو
متنين؛ أنك صرت عالما ولا تحتاج إلى التزود، أنت بحاجة إلى التزود من العلم،
فالعلم بحر لا ساحل له، ولكن خذ منه ما تيسر وما استطعت، ولا تكتف بها تعلمت وتقف
عند حد؛ ولهذا يقال: «منهومان لا يشبعان:
طالب العلم، وطالب الدنيا»، طالب العلم الحقيقي لا يشبع من العلم ولا ينتهي
إلى غاية؛ لأن العلم غزير وكثير ومشوق، فيأخذ وقته، ولا يرى أنه اكتفى بعلم محدد،
وما تجهله أكثر مما تعلمه.
إنما العلم كبحر زاخر **** فخذ من كل قول أحسنه
فأنت لن تحيط بالعلم، ولكن خذ ما يسر الله لك، واطلب المزيد، وأنت في
عبادة، وفي خير، وفي لذة لا يجدها طلاب الدنيا،