ولَوْ فَرَضْنَا أَنَّكَ أَقَمْتَ بِنَايَةً
تَتَكَوَّنُ من مِائَةٍ وعِشْرِينَ دورًا، لَكِنْ أَقَمْتَهَا عَلَى أَسَاسٍ
مُنْهَارٍ، مَاذَا يَكُونُ مَصِيرُ هَذِهِ العِمَارَةِ؟ تَنْهَارُ بِمَنْ فِيهَا،
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنۡ
أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ
أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ
جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 109]، الوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ
هَذَا الأَمْرَ، وأَنْ نَهْتَمَّ بِهِ، وأَنْ نَدْرُسَهُ أَوَّلاً، ونُدَرِّسَهُ
لأَِبْنَائِنَا وإِخْوَانِنَا، وأَنْ نَحْرِصَ عَلَيْهِ، وأَنْ نُكَثِّفَ
مَنَاهِجَهُ في المَدَارِسِ والمَعَاهِدِ والكُلِّيَّاتِ، وأَنْ نُكَثِّفَ
دِرَاسَتَهُ في المَسَاجِدِ، وأَنْ نُعَمِّرَ بِهِ بُيُوتَنَا ودُرُوسَنَا، هَذَا
هُوَ الأَسَاسُ الصَّحِيحُ، ومَا عَدَاهُ فَهُوَ تَابِعٌ ومُكَمِّلٌ لَهُ، هَذَا
هُوَ الَّذِي نَدْعُو إِلَيْهِ، تَصْحِيحُ العَقِيدَةِ والعِنَايَةُ بِهَا،
وتَعَلُّمُهَا وتَعْلِيمُهَا، وتَأْلِيفُ الكُتُبِ والرَّسَائِلِ فِيهَا
ونَشْرُهَا، وطَبْعُ كُتُبِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، ونَشْرُهَا وتَوْزِيعُهَا،
هَذَا هُوَ المَطْلُوبُ، ثُمَّ يَتْبَعُهَا بَقِيَّةُ أَوَامِرِ الدِّينِ
وشَرَائِعِ الإِسْلاَمِ.
العَقِيدَةُ
بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ البَدَنِ، فَلَوْ كَانَ البَدَنُ مُتَكَامِل
الأَعْضَاءِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ رَأْسٌ مَاذَا يَكُونُ هَذَا البَدَنُ؟ يَكُونُ
جِيفَةً، لَكِنْ إِذَا كَانَ الرَّأْسُ مَوْجُودًا فَإِنَّ بَقِيَّةَ الأَعْضَاءِ
تَكْفِي لِلحَيَاةِ، مَعَ وُجُودِ الرَّأْسِ يُمْكِنُ أَنْ تَنْقَطِعَ يَدُهُ،
تَنْقَطِعَ رِجْلُهُ، ويَعِيشَ ويَمْشِيَ ويَتَزَوَّجَ ويَأْكُلَ، كَذَلِكَ
الدِّينُ إِذَا فُقِدَتِ العَقِيدَةُ فُقِدَ الدِّينُ مَهْمَا كَانَتْ صُورَةُ
الأَعْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ.
نَسْأَلُ
اللَّهَ عز وجل أَنْ يَرْزُقَنَا وإِيَّاكُم مَعْرِفَةَ الحَقِّ، والعَمَلَ بِهِ،
والدَّعْوَةَ إِلَيْهِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢إِلَّا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ
٣﴾ [العصر: 1- 3]، أَقُولُ
قَوْلِي هَذَا وأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكُم ولِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ من
كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وصَلَّى
اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
***
الصفحة 23 / 357