×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثاني

وإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً؛ لأَِنَّهَا لَم تُبْنَ عَلَى أَسَاسٍ صَحِيحٍ وهُوَ العَقِيدَةُ، إِذًا العَقِيدَةُ أَمْرٌ مُهِمٌّ لا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَسَاهَلَ في شَأْنِهَا، وأَنْ يُحَقِّرَ مِن شَأْنِهَا، وأَنْ يُقَلِّلَ من أَهَمِّيَّتِهَا، وأَنْ يَقُولَ: النَّاسُ واقِعُونَ في الرِّبَا، وفي الزِّنَا، وفي السُّفُورِ، نَعَم هَذِهِ مَعَاصٍ كَبِيرَةٌ، ولَكِنْ أَكْثَرُهُم واقِعُونَ فِيمَا هُوَ أَكْبَرُ من ذَلِكَ، وهُوَ الشِّرْكُ والكُفْرُ بِاللَّهِ، واقِعُونَ في الشِّرْكِ في وضَحِ النَّهَارِ، تُبْنَى الأَصْنَامُ عَلَى القُبُورِ، ويَطُوفُونَ بِهَا، ويَذْبَحُونَ لَهَا، ويَنْذُرُونَ لَهَا، ومَعَ هَذَا نُغَطِّي رُؤُوسَنَا ونَتَعَامَى ونَقُولُ: ادْعُوا النَّاسَ إِلَى الأَخْلاَقِ وإِلَى الزُّهْدِ، والشِّرْكُ هُوَ مَحَبَّةُ الدُّنيا، أَخْرِجُوا الدُّنيا من قُلُوبِكُم، وهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ.

وآخَرُونَ يَقُولُونَ: لا، الشِّرْكُ هُوَ شِرْكُ الحَاكِمِيَّةِ، حَكمُوا الشَّرْع، نَعَم هَذَا صَحِيحٌ، ولَكِنْ هَذَا لا يَكْفِي حَتَّى لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُم حَكَمُوا في المَحَاكِمِ بِالشَّرْعِ، فَهَذَا لا يَكْفِي مَا دَامَ الشِّرْكُ مَوْجُودًا، وفي البَلَدِ أَضْرِحَةٌ تُعْبَدُ من دُونِ اللَّهِ، ومَا دَامَ فِيهَا دُعَاةٌ إِلَى الشِّرْكِ، فلا يَكْفِي أَنَّنَا نَجْعَلُ المَحَاكِمَ تَحْكُمُ بِالشَّرْعِ، الشِّرْكُ لَيْسَ في الحَاكِمِيَّةِ فَقَطْ، الشِّرْكُ هُوَ عِبَادَةُ. غَيْرِ اللَّهِ تعالى، هَذَا هُوَ الشِّرْكُ، وتَدْخُلَ فِيهِ الحَاكِمِيَّةُ، والرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لَوْ قَالَ لِلمُشْرِكِينَ: دَعُونَا نَجْتَمِعُ، ونُبْطِلُ الحُكْمَ بِعَوَائِدِ الجَاهِلِيَّةِ، ونَحْكُمُ في النَّاسِ بِالشَّرْعِ في أُمُورِ الخُصُومَاتِ والمُنَازَعَاتِ والأَخْلاَقِيَّاتِ والمُعَامَلاَتِ، ولَكِنَّ اللاَّتَ والعُزَّى ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى تَبْقَى، كُلٌّ عَلَى دِينِهِ، هَلْ يَكُونُ هَذَا صَحِيحًا؟ لاَ، لاَ يَكُونُ هَذَا دِينًا، ولا تَسْتَقِيمُ بِهِ مِلَّةٌ، بَلْ لا بُدَّ من تَصْحِيحِ العَقِيدَةِ أَوَّلاً، لا بُدَّ من تَحْقِيقِ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ، ولا بُدَّ من إِزَالَةِ الشِّرْكِ ومَظَاهِرِهِ مِنَ البَلَدِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَأْتِي بَقِيَّةُ أَوَامِرِ الدِّينِ وشَرَائِعِ الإِسْلاَمِ؛ لأَِنَّنَا إِذَا حَقَّقْنَا الأَسَاسَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ البِنَاءَ الصَّحِيحَ.