كُلُّ هَذَا صِيَانَةٌ لأَِعْرَاضِ
المُسْلِمِينَ من أَنْ تُنْتَهَكَ، أو تُلَطَّخَ، أو أَنْ يُقَالَ فِيهَا مَا
يُقَالُ، ومِنْ أَجْلِ الابْتِعَادِ عَنِ التَّلَفُّظِ بِهَذَا الكَلاَمِ
القَبِيحِ.
رَابِعًا:
صِيَانَةُ الأَمْوَالِ:
أَمَّا
الأَمْوَالُ فَتَعْلَمُونَ مَا شَرَعَ اللَّهُ تعالى فِيهَا من قَطْعِ يَدِ
السَّارِقِ، قَالَ تعالى في كِتَابِهِ: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا
جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [المائدة: 38]، فالسَّارِقُ إِذَا أَخَذَ مَا يُسَاوِي
ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ أو أَرْبَعَةٍ عَلَى وجْهِ الخُفْيَةِ مِنَ الحِرْزِ
فَإِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنَى من مِفْصَلِ الكَفِّ جزَاءً بِمَا كَسَبَ،
ونَكَالاً مِنَ اللَّهِ تعالى لَهُ، وحِمَايَةً لأَمْوَال ِالمُسْلِمِينَ مِنَ
الاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذِهِ اليَدُ الخَائِنَةُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى
بِبَتْرِهَا، وإِذَا قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ فَسَتَبْقَى أَيْدٍ كَثِيرَةٌ
تَتْرُكُ السَّرِقَةَ، فَتَبْقَى أَنْفُسٌ كَثِيرَةٌ تَسْلَمُ مِنَ القَتْلِ،
فَإِقَامَةُ الحُدُودِ ضَمَانٌ لِلمُجْتَمَعِ، وحِفْظٌ الأَمْنِ. ولَمَّا اعْتَرَضَ
بَعْضُ المَلاَحِدَةِ، وهُوَ المُعَرِّي الخَبِيثُ بِقَوْلِهِ:
يَدٌ بِخَمْسِ مئِين عَسجد وديت **** مَا بَالُهَا
قُطِعَتْ في رُبْعِ دِينَارِ
يَقُولُ:
اليَدُ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ إِذَا جُنِيَ عَلَيْهَا، فَلِمَاذَا تُقْطَعُ
بِرُبْعِ دِينَارٍ؟ فَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ:
عِزُّ الأَمَانَةِ أَغْلاَهَا وأَرْخَصَهَا **** ذُلُّ
الخِيَانَةِ فَافْهَم حِكْمَةَ البَارِي
فاليَدُ لما خَانَتْ هَانَتْ عِنْدَ اللَّهِ، ولِهَذَا يَقُولُ بَعْضُهُم: لَمَّا كَانَتْ أَمِينَةً كَانَتْ ثَمِينَةً، فَلَمَّا خَانَتْ هَانَتْ، فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تعالى؛ ولِذَلِكَ إِذَا قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ أَمِنَتِ البَلْدَةُ كُلُّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وأَمِنَ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِم، ولَكِنْ لَوْ تُرِكَ السَّارِقُ، وأَخَذَتِ الرَّحْمَةُ الكَاذِبَةُ بَعْضَ النَّاسِ نَحْوَهُ، فَإِنَّ البَلَدَ كُلُّهُ سَيَضْطَرِبُ، ويَخَافُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِم وبُيُوتِهِم، ولِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ عز وجل بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ.