أَعْدَاؤُهُ،
ووَقَفَ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا بِبَابِ الكَعْبَةِ، وهُم تَحْتَهُ
يَنْتَظِرُونَ مَاذَا يُفْعَلُ بِهِم جَزَاءَ مَا قَامُوا بِهِ ضِدَّهُ طِيلَةَ
السِّنِين والأَعْوَامِ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»
قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:
«اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» ([1]).
مَنَّ عَلَيْهِم رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعَفَا عَنْهُم، فَدَخَلَ
النَّاسُ في دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَصَارَتْ لِلمُسْلِمِينَ دَوْلَةٌ
عَظِيمَةٌ، اجْتَمَعُوا بَعْدَ الفُرْقَةِ، وأَعَزَّهُم اللَّهُ بِهَا بَعْدَ
الذِّلَّةِ، وذَكَرَهُم اللَّهُ تعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ
أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا
وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ
يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103].
وفَاةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ومَوْعِظَتُهُ أَصْحَابَهُ قَبْلَ
مَوْتِهِ
****
ثُمَّ
انْتَقَلَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى بَعْدَمَا
أَكْمَلَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأَتَمَّ بِهِ النِّعْمَةَ، وأَنْزَلَ عَلَيْهِ
قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ
أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ
دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]، فَقَدْ
أَوْصَى أَصْحَابَهُ في آخِرِ حَيَاتِهِ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ
وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا
بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» ([2]).
ولَمَّا وَعَظَ أَصْحَابَهُ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ كأنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. أَحَسُّوا من هَذِهِ المَوْعِظَةِ أَنَّهَا مَوْعِظَةٌ عِنْدَ مَوْتِهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ»، تَنَبَّهُوا لِهَذَا، هَذِهِ وصِيَّةٌ لَكُم، هِيَ وصِيَّةٌ لأَِصْحَابِهِ، ووَصِيَّةٌ لأُِمَّتِهِ إِلَى أَنْ
([1]) أخرجه: البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (18231).