أَمَّا الصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنَ النَّاسِ
فَأَرْضٌ لا تَحْبِسُ مَاءً، ولا تُنْبِتُ كَلَأً، كَمَا في قَوْلِهِ صلى الله
عليه وسلم: «وَأَصَابَ أَرْضًا إِنَّمَا
هِيَ قِيعَانٌ، لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً» ([1])،
وذَلِكَ مَثَلُ مَن لَم يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُول اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم ولَم يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا، هَذَا مِثَالُ المُنَافِقِينَ
والكُفَّارِ، وكُلِّ مَنْ لَم يَرْفَعْ رَأْسًا بِكَلاَمِ اللَّهِ وكَلاَمِ
رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ خَالَفُوا عَنْ أَمْرِهِ
صلى الله عليه وسلم ولَم يُلْقُوا لَهُ بالَهُمْ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ
أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ﴾
[النور: 63]، يَعْنِي: زَيْغًا في القَلْبِ، ﴿أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، في الدُّنيا وفي الآخِرَةِ، في الدُّنيا
يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِم جُنُودَهُ، فَيَقْتُلُونَهُم أو يَسْبُونَهُم، وفي
الآخِرَةِ يُعَذِّبُهُم اللَّهُ تعالى بِالنَّارِ، فَهُم مُتَوَعَّدُونَ بالعَذَابِ
الأَلِيمِ عَاجِلاً وآجِلاً بِسَبَبِ أَنَّهُم يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ
الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وفي هَذَا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِكُلِّ مَنْ خَالَفَ
أَوَامِرَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ولَم يَهْتَمَّ بِهَا ولَم يُلْقِ لَهَا
بَالَهُ.
ويَقُولُ اللَّهُ تعالى في آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7]، مَا أَتَاكُم الرَّسُولُ يَشْمَلُ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ مِنَ الأَوَامِرِ والإِرْشَادَاتِ، وكَذَلِكَ مَا أَعْطَاكُم مِنَ المَالِ، فَهَذَا عَامٌّ لِكُلِّ مَا أَعْطَاهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لأُِمَّتِهِ أَنْ يَتَقَبَّلُوهُ وأَنْ يَأْخُذُوهُ عَنْ رَغْبَةٍ ومَحَبَّةٍ؛ لأَِنَّ فِيهِ الخَيْرَ وفِيهِ الصَّلاَحَ لِلقُلُوبِ والأَبْدَانِ والأَعْمَالِ، ﴿وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7]، مَا أَمَرَكُم الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِتَرْكِهِ فَاتْرُكُوهُ؛ لأَِنَّهُ لا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ إلاَّ وفِيهِ الضَّرَرُ وفِيهِ الشَّرُّ، مَا نَهَى الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ فِيهِ خَيْرٌ لِلنَّاسِ؛ وإِنْ قُدِّرَ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ فَإِنَّ فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ مَا هُوَ أَرْجَحُ وأَبْلَغُ مِمَّا فِيهِ مِنَ الخَيْرِ، فالَّذِي يَنْهَى عَنْهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم هُوَ إِمَّا شَرُّ مَحْضٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وإِمَّا شَرٌّ رَاجِحٌ
([1]) أخرجه: البخاري رقم (79)، ومسلم رقم (2282).