×
محاضرات في العقيدة والدعوة الجزء الثاني

هَذَا الإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: «ألا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» ([1])، والقَلْبُ إِنَّمَا يَصْلُحُ بِتَقَبُّلِ أَوَامِرِ اللَّهِ وأَوَامِرِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، والإِصْغَاءِ إِلَى كَلاَمِ اللَّهِ، وكَلاَمِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وبِذَلِكَ يَحْيَا ويَفْقَهُ ويتَنَوَّرُ ويُصْبِحُ قَلْبًا صَالِحًا، فالقَلْبُ لا يَصْلُحُ إلاَّ بالإِمْدَادِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ من كَلاَمِ اللَّهِ وكَلاَمِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا قُطِعَ عَنْهُ ذَلِكَ الإِمْدَادُ فَسَدَ، مِثْل الأَرْضِ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا المَطَرُ مَاتَتْ، فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا المَطَرُ فَإِنَّهَا تَحْيَا بِإِذْنِ اللَّهِ.

وقَدْ شَبَّهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ حِيَالَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ بالأَرْضِ، وقَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ...» ([2])، أَيْ: بَالْخوَابِي والغدْرَانِ، ونَفَعَتِ النَّاسَ بِأَنَّهَا أَمْسَكَتْ لَهُم المَاءَ يَرْتَوُونَ مِنْهَا، ويَزْرَعُونَ مِنْهَا، ويَسْقُونَ دَوَابَّهُم، وأَرْضٌ أُخْرَى أَصَابَهَا الغَيْثُ، فَأَمْسَكَتِ المَاءَ، وأَنْبَتَتِ الكَلَأَ، فَجَمَعَتْ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ: إِمْسَاكُ المَاءِ وإِنْبَاتُ الكَلإَِ، وهُوَ العُشْبُ، فَهَذِهِ أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي قَبِلَهَا.

والنَّوْعُ الأَوَّلُ مِثَالٌ لِلحُفَّاظِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الأَحَادِيثَ، ويَعْتَنُونَ بالأَسَانِيدِ، ويُبَيِّنُونَ صَحِيحَهَا من ضَعِيفِهَا، هَؤُلاَءِ أَمْسَكُوا لِلنَّاسِ نُصُوصَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وحَفِظُوهَا ودَرَّسُوهَا.

أَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي: فَهُمُ الحُفَّاظُ الفُقَهَاءُ وعُلَمَاءُ الحَدِيثِ الَّذِينَ رَوَوْا الأَحَادِيثَ، وتَفَقَّهُوا في مَعَانِيهَا، وشَرَحُوهَا وفَجَّرُوا يَنَابِيعَهَا لِلنَّاسِ، هَذِهِ الطَّائِفَةُ من أَهْلِ العلم أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا.


([1])  أخرجه: البخاري رقم (52)، مسلم رقم (1599).

([2])  أخرجه: البخاري رقم (79)، مسلم رقم (2282).