والمُشَاهَدُ فِيهَا اسْتِتْبَابُ الأَمْنِ
وقِلَّةُ القَتْلِ، وأَمَّا البِلاَدُ الَّتِي لا يُنَفَّذُ فِيهَا القِصَاصُ
ويُكْتَفَى فِيهَا بِالسَّجْنِ أو الغَرَامَةِ، فالدِّمَاءُ فِيهَا مُرَاقَةٌ،
والأَمْنُ فِيهَا مُخْتَلٌّ، والعَيْشُ فِيهَا نَكِدٌ؛ لأَِنَّهُم عَطَّلُوا هَذَا
الحَدَّ العَظِيمَ، وإِنْ كَانُوا يَنْتَسِبُونَ إِلَى الإِسْلاَمِ، لِهَذَا
أَصْبَحَ مُجْتَمَعُهُم مضطربًا قَلِقًا؛ لأَِنَّهُ لا يُعَوِّضُ عَنِ القِصَاصِ
شَيْءٌ مِنَ العُقُوبَاتِ مَهْمَا كَانَتِ القَسْوَةُ فِيهَا؛ ولِهَذَا قَالَ جل
وعلا: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ
حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179].
ثَانِيًا:
حِفْظُ العَقْلِ:
إِنَّ
اللَّهَ تعالى أَعْطَى لِلإِنْسَانِ نِعَمًا عَظِيمَةً، ومِنْ هَذِهِ النِّعَمِ
نِعْمَةُ العَقْلِ، وإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ قِيمَةَ هَذِهِ النِّعْمَةِ
فَانْظُرِ الفَرْقَ بَيْنَ العَاقِلِ والمَجْنُونِ، وبَيْنَ السَّكْرَان
والصَّاحِي، وإِذَا تَأَمَّلْتَ في هَذَا عَرَفْتَ نِعْمَةَ اللَّهِ تعالى،
وعَجِيبَ قُدْرَتِهِ، وحَكِيمَ صَنْعَتِهِ في هَذَا العَقْلِ العَظِيمِ، الَّذِي
جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذَا الإِنْسَانِ، ولِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ بِصِيَانَتِهِ
مِمَّا يُخِلُّ بِهِ، فَحَرَّمَ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا يُخِلُّ
بِعَقْلِهِ أو يُخبِلُهُ مِنَ المُسْكِرَاتِ والمُخَدِّرَاتِ، وأَنْوَاعِ
المُؤَثِّرَاتِ عَلَى العَقْلِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُ الإِنْسَانَ أَكْبَرَ
ميزَةٍ مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهَا عَنِ الحَيَوَانَاتِ، وعَنْ أَسْوَأ
المَخْلُوقَاتِ.
فَإِذَا
جَنَى الإِنْسَانُ عَلَى عَقْلِهِ بِتَنَاوُلِ مَا يُفْسِدُهُ أو يُغَطِّيهِ مِنَ
المُسْكِرَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُصْبِحُ خَطَرًا عَلَى نَفْسِهِ وعَلَى
مُجْتَمَعِهِ؛ لأَِنَّ الإِنْسَانَ في هَذِهِ الحَالَةِ قَدْ يَزْنِي بِأُمِّهِ أو
أُخْتِهِ أو بِنْتِهِ وهُوَ لا يَدْرِي، فَهُوَ إذَا سِكِرَ صَارَ كَالْحَيَوَانِ
لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَلاَلِ والحَرَامِ، وقَدْ يَقْتُلُ الأَنْفُسَ
البَرِيئَةَ، يَقْتُلُ نَفْسَهُ أو ولَدَهُ أو زَوْجَتَهُ أو والدَيْهِ؛ لأَنَّهُ
لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ يَحْجزُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَلذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ تعالى
تَعَاطِي المُسْكِرَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ