فَوِلاَيَةُ الأَمْرِ المُسْلِمَةِ فِيهَا
مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ عِنْدَهَا شَيْءٌ مِنَ التَّقْصِيرِ لَم
يَصِلْ إِلَى الكُفْرِ، فَإِنَّ فِيهَا مَصَالِحَ عَظِيمَةً لِلمُسْلِمِينَ، ولا يَجُوزُ
مُنَازَعَتُهَا؛ ولِهَذَا يَقُولُ اللَّهُ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ
وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾
[النساء: 59]، ويَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا
وَأَطِيعُوا، وَلو اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» ([1])،
وقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ،
وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ
يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي
وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» ([2]).
والحَاصِلُ أَنَّ من حِفْظِ الأَمْنِ طَاعَةُ ولِيِّ الأَمْرِ، إلاَّ إِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ طَاعَتُهُ في المَعْصِيَةِ، ولَكِنْ يُطَاعُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» ([3])، ولَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّنَا نَنْقُضُ الأَمْرَ، ونَخْرُجُ عَلَى وُلاَةِ الأُمُورِ إِذَا أَمَرُوا بِبَعْضِ المَعَاصِي إلاَّ إِذَا أَمَرُوا بالكُفْرِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» ([4])، وحِينئِذٍ لا تَجُوزُ طَاعَةُ ولِيِّ الأَمْرِ، أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّ المَصْلَحَةَ في طَاعَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ المَفْسَدَةِ في مَعْصِيَتِهِ، والخُرُوجُ عَلَى الوُلاَةِ بِسَبَبِ المَعَاصِي الَّتِي هِيَ دُونَ الكُفْرِ مَذْهَبُ الخَوَارِجِ والمُعْتَزِلَةِ المُخَالِفِينَ لأَِهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ ولِنُصُوصِ الكِتَابِ
([1]) أخرجه: البخاري رقم (6723).