بِذَلِكَ بَلْ كَانُوا يَنْهَونَ عَنْهُ أَشَدَّ
النَّهْيِ ويُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمَّا مَاتُوا بَنَوْا عَلَى
قُبُورِهِم وقَرَّبُوا لَهُم القَرَابِينَ وعَبَدُوهُم من دُونِ اللَّهِ
فَهَؤُلاَءِ لا يُعْتَبَرُونَ طَوَاغِيت، ولَكِنْ يُعْتَبَرُ من عَبَدَهُم من
دُونِ اللَّهِ مُشْرِكًا، ولِهَذَا لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى قَوْلَهُ
تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمۡ
وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] فَرِحَ المُشْرِكُونَ قَالُوا نَحْنُ
نَعْبُدُ عُزَيْرًا ونَعْبُدُ المَسِيحَ ونَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ فَإِذَا كَانَ
هَؤُلاَءِ مَعَنَا في النَّارِ فلا لَوْمَ عَلَيْنَا، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تعالى
الرَّدَّ عَلَيْهِم بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ﴾ [الأنبياء: 101] يَعْنِي: عِيسَى عليه السلام
والعُزَيرُ والمَلاَئِكَةُِ ومَنْ عُبِدَ من دُونِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ
وهُوَ لا يَرْضَى بِذَلِكَ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ
أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ
أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ ١٠٢لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ
ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣﴾ [الأنبياء: 101- 103].
فالصَّالِحُونَ
الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ ولَكِنَّهُم عُبِدُوا بَعْدَ
مَوْتِهِم وهُم لَم يَرْضَوْا بِذَلِكَ، هَؤُلاَءِ لَيْسَ عَلَيْهِم حَرَجٌ مِمَّا
فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم لأَِنَّهُم لَم يَرْضَوْا
بِذَلِكَ ولَم يَأْمُرُوا النَّاسَ بِعِبَادَتِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ
لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّۧنَ
بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ
أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّۧنَ أَرۡبَابًاۗ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ
بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠﴾
[آ ل عمران: 79- 80].
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ المَسِيحِ عليه السلام: ﴿مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117].