فَيَجِبُ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ من
يَتَكَلَّمُونَ في أَعْرَاضِ العُلَمَاءِ المَيِّتِينَ والأَحْيَاءِ؛ لأَِنَّ
اللَّهَ عز وجل قَدْ حَذَّرَ الأُمَّةَ من اتِّبَاعِ هَؤُلاَءِ لِقَوْلِهِ
تَعَالَى ﴿يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن
تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] ومَعْنَى فَتَبَيَّنُوا أَيَّ:
تَثَبَّتُوا من كَلاَمِهِم ولا تَتَأَثَّرُوا بِهِ لأَِوَّلَ مَرَّةٍ، وقَالَ
تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ
خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا
مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ
ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
وقَالَ
تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ
إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: 12].
فاللَّهُ تعالى نَهَى عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بالمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فَكَيْفَ إِذَا كَانُوا مِنَ العُلَمَاءِ، لِذَلِكَ فَسُوءُ الظَّنِّ بالعُلَمَاءِ جَرِيمَةً؛ لأَِنَّهُم ورَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِذَا لَم تَثِقْ الأُمَّةُ في عُلَمَائِهَا فَبِمَنْ تَثِقْ؟ ﴿وَ لَا تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: 12]، أَيْ: لا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ المَسْتُورِينَ، ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ﴾ [الحجرات: 12]. أَيْ: أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ المَيْتَةِ أَهْوَنُ مِنَ الكَلاَمِ في أَعْرَاضِ العُلَمَاءِ؛ لأَِنَّهُم خَيْرُ الأُمَّةِ، وقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «الْغَيْبَة ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» ([1])، فَهَذَا المُتَكَلِّمُ لا يَخْرُجُ عَنْ حَالَتَيْنِ: أَوَّلُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُغْتَابًا يَأْكُلُ لَحْمَ المَيْتَةِ، أو بَاهِتًا كَذَّابًا.