فالنظرُ في العواقبِ ومَآلات الأمورِ هو غايةُ
العُقَلاء، فهؤلاءِ أَحَبُّوا غيرَ اللهِ فصارَ مَحبوبُهم عدوًّا لهم يومَ
القِيامة، وتبرَّأ مِنهم وتبرَّؤوا منه، وهَؤلاء أحبُّوا اللهَ وأحبُّوا عِباده
الصَّالحين فاستمرَّتْ مَحبتهم ولم تَنقطِع أبدًا.
وقوله: «فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْقِتَالَ مَكْرُوهٌ
لَهُمْ مَعَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُمْ» هذه كَراهةٌ نَفْسِيَّة وليستْ كراهةً دِينية،
فلو أن أحدًا يكرهُ القِتال كراهةً دِينية لصارَ مُرتدًّا؛ لقولِه تَعالى: {ذَٰلِكَ
بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ} [محمد: 9] .
فمَن كرهَ القِتال كراهةً
دِينية فقد كَفر، أما إذا كانَ يكرهُه كراهةً نفسيةً لما فيه من مَشقَّة فهذا لا
يُؤاخَذ على هذه الكَراهة، بل إذا تغلَّب على نفسِه وفعلَ ما تكرهُه من القِتال
والصِّيام والصَّلاة، فهذا يَؤول إلى خيرٍ بإذنِ اللهِ، قالَ تَعالى: {وَعَسَىٰٓ
أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ} [البقرة: 216] ، {فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ
شَيۡٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} [النساء: 19] .
والفرقُ بينَ الذِي يقومُ
الليلَ ويتهجَّد، وبينَ من ينامُ كُلَّ الليلِ: أن هذا آثرَ العاقبةَ على النومِ،
فالنومُ محبوبٌ ومطلوبٌ، لكنه آثرَ ما هو خيرٌ منه، وقامَ يُصَلِّي ويتهجَّد، وذاك
أطاعَ نفسَه فنامَ كُلَّ الليلِ، وحُرِم مِن الخيرِ، فهو استراحَ حاضرًا، لكنه
سيتعبُ مُستقبلاً: {أَمَّنۡ
هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ
وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ
لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [الزمر: 9] .
***
الصفحة 5 / 375