وقوله: «فَلَيْسَ إِثْمُ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ
إِمَامًا عَادِلاً أَوْ عَالِمًا يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْقِسْطِ، كَإِثْمِ مَنْ
قَتَلَ مَنْ لاَ مَزِيَّةَ لَهُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ» لا شكَّ أن القَتل
جَريمة وكَبيرةٌ مِن كبائرِ الذُّنوب، لكِن بَعضها أشَدّ مِن بعضٍ، مِثل ما سبقَ
أن مَن قتلَ والدَه أو قَتَلَ ولدَه حُكمه أشدُّ مِمَّن قتلَ الأجنبيَّ، وكذلك مَن
زنَى بحَلِيلة جارِه أشدُّ مِمّن زنَا بامرأةٍ أخرَى غَيرها، فالكَبائر تَتَفاوَتْ
بحسبِ مُلابساتها ومُواقعها، وإن كانتْ في أصلِ التحريمِ كُلها مُحرَّمة.
وقوله: «وَالْمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ
حُرْمَةً مِنْكِ»، لأن حُرمة المُؤمِن عظيمةٌ، كأنها أعظمُ مِن الكعبةِ التِي
هِي بيتُ اللهِ، فلو اعتدَى إنسانٌ على الكعبةِ وهدمَها فقد اقترفَ إثمًا كبيرًا
وفسادًا عظيمًا، لكن قتلَ النفسِ المُؤمنة أعظمُ منه وأشدُّ، ولهذا قالَ النبيُّ
صلى الله عليه وسلم : «لاَ يَزَالُ
الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا».
وقوله: «سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ
كُفْرٌ» يَعني: كُفر أصغرُ، وليسَ الكُفر المُخرِج مِن المِلَّة، وذلكَ كقولِه
صلى الله عليه وسلم : «لاَ تَرْجِعُوا
بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، يَعني: الكُفر
الأصغَر.
فالقاتلُ لا شكَّ أنه
مُرتكِبٌ لكبيرةٍ عظيمةٍ لكنَّه لا يَكفُر؛ لقولِه تَعالى: {وَإِن
طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ} [الحجرات: 9] إلى
قولِه: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ
إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ} [الحجرات: 10] ، فدلَّ على أن القاتلَ لا يَكفُر، وأنه
مِن إخوانِنا، ولكنَّه مُرتكِب لكبيرةٍ من كبائرِ الذنوبِ.
وفي هَذا رَدٌّ على الخَوارج
والمُعتزلة الذِين يُكفِّرون بالكبائرِ.
***
الصفحة 6 / 375