فلاَ ينظُر الإنسانُ إلى
العاجلِ فَقط، بل عَليه أن ينظُر إلى العَاقبة والمُنتهى، فقد يكرهُ شيئًا له
عاقبةٌ حَميدة: {
وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن
تُحِبُّواْ شَيۡٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ} [البقرة: 216] ، فالنفوسُ تكرهُ القِتال في سَبيل
اللهِ؛ لما فيه من جِراح وقتلٍ وخَطر، لكن عَاقبته خيرٌ. وتَميل إلى الراحةِ وتَرك
الجِهاد، لكِن هذا شَرٌّ؛ لأنه يُؤدِّي إلى تسلُّط الكُفار عليه، ورُبما
يُحوِّلونه عن دِينه، إما بالقُوة وإما بالرَّهبة.
فبالجِهاد يتخلَّص الإنسانُ
من أعدائِه، وإن كانَ فيه ما تكرهُه نفسُه فإن عاقبتَه حميدةٌ: {كُتِبَ
عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡٔٗا
وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ} [البقرة: 216] ، { فَعَسَىٰٓ
أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} [النساء: 19] ، فلا
ينظُر إلى ما تكرهُه نفسُه وما تُحِبه، ولكِنه ينظُر في العَواقب والمَآلات.
ولذا يَصُوم المُسلم ويترُك
الأكلَ والشُّرب والملذَّات والشَّهوات؛ لأنه يَرجو عاقبةَ الصِّيام، فيُؤثِر
العاقبةَ على اللَّذة الحَاضرة، ولا شكَّ أن الصيامَ فيه حِرمان للنفسِ، لكن
عاقبتَه خيرٌ لها، كما يُعطي الطبيبُ للمريضِ دواءً كريهَ المذاقِ، وهو سببٌ
للشفاءِ يُرجَى به عاقبةٌ حميدةٌ.
وأقلُّ الناسِ عقلاً من
ينظُر إلى اللذةِ الحاضرةِ، ولا ينظُر إلى العاقبةِ السيِّئة، وينظُر إلى المَشقة
الحَاضرة والمَكارِه الحَاضرة، ولا ينظُر إلى العَواقب الحَميدة، فلا يُوازِن بينَ
هذا وهذا.
***
الصفحة 5 / 375