وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ -
وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ - لَيْسَ لَهُ مِنْ صَلاَتِهِ إِلاَّ مَا عَقَلَ مِنْهَا
فَلَيْسَ لَهُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ مَا كَانَ فِيهِ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ.
وَمَا عَدَا هَذِهِ
الأَْقْسَامِ مِنَ الْخَطَرَاتِ وَالْفِكَرِ، فَإِمَّا وَسَاوِسُ شَيْطَانِيَّةٌ
وَإِمَّا أَمَانِيُّ بَاطِلَةٌ، وَخُدَعٌ كَاذِبَةٌ، بِمَنْزِلَةِ خَوَاطِرِ
الْمُصَابِينَ فِي عُقُولِهِمْ مِنَ السُّكَارَى وَالْمَحْشُوشِينَ
وَالْمُوَسْوِسِينَ، وَلِسَانُ حَالِ هَؤُلاَءِ يَقُولُ عِنْدَ انْكِشَافِ
الْحَقَائِقِ ([1]) :
إِنْ كَانَ مَنْزِلَتِي فِي
الْحَشْرِ عِنْدَكُمْ |
|
مَا قَدْ لَقِيتُ فَقَدْ ضَيَّعْتُ أَيَّامِي |
أُمْنِيَّةٌ ظَفِرَتْ نَفْسِي بِهَا
زَمَنًا |
|
وَالْيَوْمَ أَحْسَبُهَا أَضْغَاثَ
أَحْلاَمِ |
وَاعْلَمْ أَنَّ وُرُودَ
الْخَاطِرِ لاَ يَضُرُّ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ اسْتِدْعَاؤُهُ وَمُحَادَثَتُهُ،
فَالْخَاطِرُ كَالْمَارِّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنْ تَرَكْتَهُ مَرَّ وَانْصَرَفَ
عَنْكَ، وَإِنِ اسْتَدْعَيْتَهُ سَحَرَكَ بِحَدِيثِهِ وَغُرُورِهِ، وَهُوَ أَخَفُّ
شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ الْفَارِغَةِ الْبَاطِلَةِ، وَأَثْقَلُ شَيْءٍ عَلَى
الْقَلْبِ وَالنَّفْسِ الشَّرِيفَةِ السَّمَاوِيَّةِ الْمُطْمَئِنَّةِ.
وَقَدْ رَكَّبَ اللَّهُ
سُبْحَانَهُ فِي الإِْنْسَانِ نَفْسًا أَمَّارَةً وَنَفْسًا مُطْمَئِنَّةً،
وَهُمَا مُتَعَادِيَتَانِ، فَكُلُّ مَا خَفَّ عَلَى هَذِهِ ثَقُلَ عَلَى هَذِهِ،
وَكُلُّ مَا الْتَذَّتْ بِهِ هَذِهِ تَأَلَّمَتْ بِهِ الأُْخْرَى.
فَلَيْسَ عَلَى النَّفْسِ
الأَْمَّارَةِ أَشَقُّ مِنَ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَإِيثَارِ رِضَاهُ عَلَى هَوَاهَا،
وَلَيْسَ لَهَا أَنْفَعُ مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ
أَشَقُّ مِنَ الْعَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ دَاعِي الْهَوَى،
وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ أَضَرُّ مِنْهُ.
وَالْمَلَكُ مَعَ هَذِهِ عَنْ يَمْنَةِ الْقَلْبِ، وَالشَّيْطَانُ مَعَ تِلْكَ عَنْ يَسْرَةِ الْقَلْبِ، وَالْحُرُوبُ مُسْتَمِرَّةٌ لاَ تَضَعُ أَوْزَارَهَا إِلاَّ أَنْ يُسْتَوْفَى أَجَلُهَا مِنَ الدُّنْيَا.
([1])البيتان لابن الفارض الصوفي، ينظر: ديوانه (ص: 207).