وَالْبَاطِلُ كُلُّهُ
يَتَحَيَّزُ مَعَ الشَّيْطَانِ وَالأَْمَّارَةِ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ يَتَحَيَّزُ
مَعَ الْمَلَكِ وَالْمُطْمَئِنَّةِ، وَالْحَرْبُ دُوَلٌ وَسِجَالٌ.
وَالنَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ،
وَمَنْ صَبَرَ وَصَابَرَ وَرَابَطَ وَاتَّقَى اللَّهَ فَلَهُ الْعَاقِبَةُ فِي
الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمًا لاَ يُبَدَّلُ
أَبَدًا: أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى، وَالْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
فَالْقَلْبُ لَوْحٌ فَارِغٌ،
وَالْخَوَاطِرُ نُقُوشٌ تُنْقَشُ فِيهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ
يَكُونَ نُقُوشُ لَوْحِهِ مَا بَيْنَ كَذِبٍ وَغُرُورٍ وَخُدَعٍ، وَأَمَانِيَّ
بَاطِلَةٍ، وَسَرَابٍ لاَ حَقِيقَةَ لَهُ؟! فَأَيُّ حِكْمَةٍ وَعِلْمٍ وَهُدًى
يَنْتَقِشُ مَعَ هَذِهِ النُّقُوشِ؟! وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِشَ ذَلِكَ فِي
لَوْحِ قَلْبِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ النَّافِعِ فِي مَحِلٍّ
مَشْغُولٍ بِكِتَابَةِ مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُفْرِغِ الْقَلْبَ
مِنَ الْخَوَاطِرِ الرَّدِيَّةِ، لَمْ تَسْتَقِرَّ فِيهِ الْخَوَاطِرُ
النَّافِعَةُ، فَإِنَّهَا لاَ تَسْتَقِرُّ إِلاَّ فِي مَحِلٍّ فَارِغٍ، كَمَا
قِيلَ ([1]) :
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ
أَعْرِفَ الْهَوَى |
|
فَصَادَفَ قَلْبًا فَارِغًا
فَتَمَكَّنَا |
وَهَذَا كَثِيرٌ مِنْ
أَرْبَابِ السُّلُوكِ بَنَوْا سُلُوكَهُمْ عَلَى حِفْظِ الْخَوَاطِرِ، وَأَنْ لاَ
يُمَكِّنُوا خَاطِرًا يَدْخُلُ قُلُوبَهُمْ حَتَّى تَصِيرَ الْقُلُوبُ فَارِغَةً
قَابِلَةً لِلْكَشْفِ وَظُهُورِ حَقَائِقِ الْعُلْوِيَّاتِ فِيهَا.
وَهَؤُلاَءِ حَفِظُوا شَيْئًا، وَغَابَتْ عَنْهُمْ أَشْيَاءُ، فَإِنَّهُمْ أَخْلَوُا الْقُلُوبَ مِنْ أَنْ يَطْرُقَهَا خَاطِرٌ، فَبَقِيَتْ فَارِغَةً لاَ شَيْءَ فِيهَا، فَصَادَفَهَا الشَّيْطَانُ خَالِيَةً، فَبَذَرَ فِيهَا الْبَاطِلَ فِي قَوَالِبَ أَوْهَمَهُمْ أَنَّهَا أَعْلَى الأَْشْيَاءِ وَأَشْرَفُهَا، وَعَوَّضَهُمْ بِهَا عَنِ الْخَوَاطِرِ الَّتِي هِيَ مَادَّةُ الْعِلْمِ وَالْهُدَى.
([1])ينسب البيت لمجنون ليلى قيس بن الملوح، ينظر: ديوانه (ص: 219).