وَمَدَارُ الْقُرْآنِ عَلَى الأَْمْرِ بِتِلْكَ
الْمَحَبَّةِ وَلَوَازِمِهَا، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمَحَبَّةِ الأُْخْرَى
وَلَوَازِمِهَا، وَضَرَبَ الأَْمْثَالَ وَالْمَقَايِيسَ لِلنَّوْعَيْنِ، وَذَكَرَ
قَصَصَ النَّوْعَيْنِ، وَتَفْصِيلَ أَعْمَالِ النَّوْعَيْنِ وَأَوْلِيَائِهِمْ
وَمَعْبُودَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِخْبَارِهِ عَنْ فِعْلِهِ بِالنَّوْعَيْنِ،
وَعَنْ حَالِ النَّوْعَيْنِ فِي الدُّورِ الثَّلاَثَةِ: دَارِ الدُّنْيَا، وَدَارِ
الْبَرْزَخِ، وَدَارِ الْقَرَارِ، وَالْقُرْآنُ جَاءَ فِي شَأْنِ النَّوْعَيْنِ.
وَأَصْلُ دَعْوَةِ جَمِيعِ
الرُّسُلِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، إِنَّمَا هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ
وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، الْمُتَضَمِّنَةُ لِكَمَالِ حُبِّهِ، وَكَمَالِ
الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ لَهُ، وَالإِْجْلاَلِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَوَازِمِ ذَلِكَ
مِنَ الطَّاعَةِ وَالتَّقْوَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي
الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ
قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ([1]).
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ،
وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي،
فَقَالَ: «لاَ يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، قَالَ:
وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، قَالَ:
«الآْنَ يَا عُمَرُ» ([2]).
فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ
مَحَبَّةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَوُجُوبِ تَقْدِيمِهَا
عَلَى مَحَبَّةِ نَفْسِ الإِْنْسَانِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ، فَمَا الظَّنُّ بِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ سبحانه وتعالى ، وَوُجُوبِ
تَقْدِيمِهَا عَلَى مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ؟!
وَمَحَبَّةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ تَخْتَصُّ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ فِي قَدْرِهَا وَصِفَتِهَا وَإِفْرَادِهِ سُبْحَانَهُ بِهَا، فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ
([1])أخرجه: البخاري رقم (15)، ومسلم رقم (44).